علامات 18 بقلم رياض المرزوقي
( العلامات روح الطريق )
****************************************
50 - سحر الشفوي " الصمت بعض الموتْ ...
ووحده الشاعر قادر على التعبير
دون صوت ! " ر.م
من الغريب أن ينتقل مثلي من ثقافة المدوّن والمكتوب إلى ثقافة الشفوي . لقد تعلّمنا
طيلة حياتنا أن ( العلم صيد , والكتابة قيد ) . وكان أساتذتنا في الجامعة يحثّون على
تفضيل رواية الكتاب على رواية الحاكي للأخبار . كبّلتنا الوثائق , والآثار المحسوسة
الملموسة , والأطلال عن الانطلاق مع الخطاب الشفوي الذي يتغير من لحظة لأخرى
فيكون قوس قزح تتحلل ألوانه في السماء . وهل السماء من الملموس ؟ , ويكون
دوائر ماء تنداح على صفحة الغدير , ويكون أصداء نسمع بعضها , ونساهم في بعضها
ونخترع بعضها في مخيلتنا .
كنت عامر العقل بالمنهجية , وأساليب البحث , تطبّق على النص المكتوب وتسجنه في
قيود القوانين والنظريات . والحال أن الأدب العربي , وحتى التاريخ العربي شفويّ
بالأساس .
إن المأثور الشعبي من سير , وأخبار , وأمثال ... حيّ بحكم الشفوية , متحرك لأنه
حيّ . ولعلّ وضعه في مدونّة مكتوبة تختار أفضل الروايات وأصوبها هو نوع من
السجن الأبدي له .
وأنا على أتمّ الوعي بأني دخيل على الشفوي , ألبس عباءة البدويّ بمنطق الحضري
ولكن ما بيدي حيلة , فلقد نشأت على شيء , واكتهلت على آخر .
يقول الباحثون إن السيرة الهلالية مثلا تحوي مليون بيت من الشعر , ويقولون إن
سيرة البطّال تنام في 23 ألف ورقة مخطوطة في مكتبات أوروبا . فأي كتاب يضمّ
كل هذا الكمّ ؟ وأي قاريء يقرؤه ؟ وأي دارس يدرسه ؟
لقد فتح ملتقى المرزوقي عينيّ على مشاغل أكثر مما قادني إلى مسلّمات أو يقين .
ويقولون " إن التعلم في الكبر كالنقش على الماء " . ولقد تعلمت المأثور
الشعبي كبيرا , لكنني لم أنقشه على الورق , بل نقشته على نبضات القلب , وخلطته
بالدماء الدافقة في عروقي !
تعليقات
إرسال تعليق