من روائع المسرح التونسي: عرب (3)

من روائع المسرح التونسي :  "عَرَبْ "
   لمجموعة " المَسْرَحِ الجَدِيد" (3)
      
               
ملاحظة :
نشر هذا المقال باللسان الفرنسي في الجريدة اليومية " لُوتَانْ "  [Le Temps]، يوم السبت 30ماي1987، تحت عنوان " أسفار إلى أقصى أقاصي عروبتنا"   وهذا مقطع مما جاء فيه. وقد جعلنا هنا العنوان الفقرة الفرعي عنوانا رئسيا لما ستقرؤون.

            الشتات العربي
     تتقدم "عَرَبْ " كنشيد حول الأرض، هذي الأرض : أرض مطلقة، في المطلق. هي أرضي وأرضك وأرض من لا أرض له أبصر أرضا فأحبها فصارت منه وإليه ولم يعد شيئا بدونها. إنه نشيد له إلقاء أوديسي، حالك قاتم قاس . والقصة الهلالية العَرْبيَّة"   المُخْتَطَفَةُ من "قُرَيْشٍ " " ليست سوى احتفال بالأرض. لا بد من الدفاع عن أرضنا بكل قوانا وحواسنا ومشاعرنا، وعلينا الذود عن حماها حد الجنون ونسيان كل منطق. الكائن هو الأرض. لا وجود حقيقي له بدونها. الحياة  كالشجرة النابتة المنغرسة، لا كتلك   التي نراها الآن وسط الركح مقتلعة رغم أن جميع الشخصيات تجتهد بلا جدوى لأعادة غراستها. الحياة شجرة. لو لم تكن الحياة شجرة لما تحدثنا عن شجرة الحياة. كيف يمكن أن نتصور أن هذا لا معنى له؟ فلا عجب أن تتقدم عَرَبْ"  " نحونا كصرخة حيوان وحشي جريح رافض رفضا قاطعا للترحال والتيه في الأرض.
" حُورِيَّة" (جليلة بكار)، بما هي نموذج الكائن الذي لا أرض له، كائن سماوي – أليس هي من يقضي وقته في الطائرات، وسط السماء -، وبما هي تلك المرأة التي تجد نفسها تحارب وسط حرب ليست حربها، " حُورِيَّة" هذه تصرخ بأعلى صوتها، بكل جوارحها، من أعماقها : لا خلاص ولا نجاة للإنسان خارج أرضه. "عَرَبْ"، هي التراجيديا، بالمعنى الحرفي والدقيق، بالمعنى الصافي والصارم للعبارة : هي دراما اللجوء والملجأ المستحيل. لا مخبأ ولا ملاذ. الكائن بالنسبة الى عَرَبْ"" هو دائما وأبدا هنا، أبدا هناك. أن تكون، يعني أن تكون مزروعا، لك عروق عميقة : أن تكون شجرة. وإذا تمثلت  " عَرَبْ "أمثولة لمحرقة لبنان وفلسطين فلأن هذه الحرب الأهلية، داخلية وخارجية، لا تعدو أن تكون صراعا
من أجل المدينة، أي الاستقرار والسكن، في رفض قاطع لوضعية اللاجيء، والمهاجر الأبدي، وأيضا للتشتت العربي.
يحمل " عَرَبْ" حلم السكون والاستراحة (حلم الأرض هو دائما، كما يؤكده " غَاسْتُونْ بَاشْلاَرْ"، حلم بالراحة والاستقرار). ولكن الراحة مستحيلة بالنسبة لقوم " عَرَبْ ". لا يوجد لهم إلا الاضطراب والفوضى. وهذا يعني أن الأرض تتمثل لهم وهما وسرابا، شيء ما مما نسميه : " أَلْدُورَادُ"   (عنوان ما ليس موجودا).





تعليقات