من روائع المسرح التونسي: عرب

من روائع المسرح التونسي :  "عَرَبْ " 

   لمجموعة " المَسْرَحِ الجَدِيد" (2)

       

                

ملاحظة : 

نشر هذا المقال باللسان الفرنسي في الجريدة اليومية " لُوتَانْ "  [Le Temps]، يوم السبت 30  ماي1987، تحت عنوان " أسفار إلى أقاصي عروبتنا"   وهذا مقطع مما جاء فيه. وقد جعلنا هنا العنوان الفرعي عنوانا رئسيا.

         

           نحن الخاسرون

     "عَرَبْ " ملحمة هلالية. هي رواية بدوية، قصة حرب  قَبَلِيَّةأي أهلية، تندلع بسبب اخْتِطَافٍ : " قُرَيْشْ  " (لمين النهدي) يختطف الأبية والجميلة عربية (زهيرة بن عَمَّارْ). ويفر الحبيبان العاشقان فيأويان إلى كنيسة مهجورة متروكة. ستقع محاصرتهما من طرف أبناء أعمامهما " الطْمَامْرِيَّة " ويجدان عونا من " خَلِيلْ"، مراسل حرب لبنان ومصورها الذي نجا بأعجوبة منها (فاضل الجزيري) ومن ابن  عَمِّهما "مَنُّوبِي" )فتحي هداوي( الذي  كان قديما فلاحا ثم أصبح محاربا عسكريا ومن خادم خرساء تحتمل أوجاع  الجميع وآلامهم مكناة ب"عَصْفُورْ " )
         فاطمة بن سعيدان  (وفجأة، على حين غرة، إذا بصديقة قديمة لخليل تظهر وهي حامل منه تحمل ابنا له. و"حُورِيَّة" هذه تعمل كمضيفة طيران في شركة خطوط جوية عربية وقد عاشت أحداث الحرب الأهلية اللبنانية في 1978.
إن ما تمسرحه     "عَرَبْ " هو المسار البطيء والحتمي لهذه البشرية المحاصرة التي وقعت في قلب شيء شبيه بالفخ : هي رواية لمسير ومصير هؤلاء القوم المطاردين. سنعيش الإيقاع المحموم والمكلوب لهذا الاحتضار الجمعي. لا قدر على ما يبدو لهذه الإنسانية التي كانت في السابق متضامنة متوحدة ثم أصبحت تدريجيا، شيئا فشيئا، متشتتة متعادية، إلا الجنون والفناء. من الثورة (المسلحة)، تنزلق رويدا رويدا نحو الخضوع والخنوع والقبول، نحو الاستسلام والتسليم : "عَرَبْ "  ملحمة هائجة غاضبة، فاجعة لا تُحْتَمَلْ، لقدر كله جنون وموت، لهذا الانتحار الجماعي  (هَارَاكِيرِي)، لهذا الدمار الشامل. لهذه الإبادة، ذلك أنها إبادة. و" الطْمَامْرِيَّةُ" لا نراهم أبدا، ولا مرة واحدة. نسمع عنهم وعما يفعلون ولكن لا نراهم. هم ما يشبه ملائكة "الرحمة"، عزرائيل وقد تعدد وتكاثر.  وهم بالخصوص أشباح .
      هم صور حالكة لضمير   المُطَارَدِينَ المظلم : يعني خوفهم. نعم خوفهم وجبنهم. يمكننا الذهاب بعيدا حتى القول إن"عَرَبْ " أعمق من كونها تفكيك لحرب أهلية محورها قبيلة من القبائل أو عشيرة من العشائر. لا، لا : هي مَسْرَحَةُ لسفر في أقاصي الخوف )وما الجبن إلا وجه من وجوه الخوف(. هي سقوط في هاوية النفس الأمارة  بالسوء، وهي انحدار، انحدار في جحيم الضمير المظلم لهؤلاء  المُحَاصَرِين : خفهم ورعبهم. إن هذا الضمير المظلم للشخصيات هو ضميرهم التعس، أي إن شئنا وعيهم الشقي بأنهم فاشلون، خاسرون. هم يعلمون في قرارة أنفسهم أن مصيرهم هو الخسران .
أجل، هؤلاء المُحَاصَرِين هم أنا وأنت، هم  نحن، نحن العرب، نحن الخاسرين، نحن شعب " المَاياَ " الجدد، " مَاياَ " الأزمان الحديثة

تعليقات