من روائع المسرح التونسي : "عَرَبْ "
لمجموعة " المَسْرَحِ الجَدِيد" (٣)
ملاحظة (للذكرى) :
نشر هذا المقال باللسان الفرنسي في الجريدة اليومية " لُوتَانْ " [Le Temps]، يوم السبت ٣٠ ماي٧ ١٩٨، تحت عنوان " أسفار إلى أقصى أقاصي عروبتنا". وهذا مقطع مما جاء فيه. وقد جعلنا هنا عنوان الفقرة الفرعي عنوانا رئسيا لما ستقرؤون.
النار والرماد (١)
لا يوجد بالنسبة الى" عَرَبْ" سوى معادلة وحيدة يتيمة : الأرض- وما تعنيه هنا من حياة- تفرض العشق المجنون والهائج الجائش. والأرض حب مصارع مقاتل يتجيش فيتسلح، ويحارب ويجاهد. لكي نحلم بامتلاك الأرض، أي في النهاية بالحياة، وجب أن نعرف كيف نشعل النار ونُذَكِّيهاباستمرار. إن مايُحَرِّكُ " عَرَبْ" ويُنَشِّطُهَا ويُحْيِيهَا ، هو في الحقيقة، حلم الحَرَقِ والحَرِيقِ، واللَّهَبِ واللَّهِيبِ - " حُلْمُ النَّارِ" أي الاحتراق الكوني الشامل : ومن ذا الذي لا يرى الموقد وهو يشتعل فوق الركح طيلة العرض؟). إن " عَرَبْ" أثر منساق في أفق من تلك الآفاق التي نسميها ب " القِيَامَةِ " أي بما نراه نهاية من نهايات العالم. فلا نستغرب إن انتهينا وتفطنا إلى وجود تواصل وتكامل بين الآثار التي يبدعها "المسرح الجديد". فإذا كانت "غسالة النوادر" (١٩٨٠) قصيدة درامية ملحمية تنهض على " حُلْمُ المَاءِ"، وإن شئنا التدقيق أحلام المياه العكرة، الفاسدة الهدامة؛ فإن " عَرَبْ"، في المقابل، هي قصة إلقائها دراميا ملحميا حول الأرض التي لا تنشد الماء وإنما النار. وردا على طوفان "غَسَّالَةِ النْوَادِر" تجيب " عَرَبْ" إذن ب " القِيَامَةِ"، أي بما يشبه نهاية الكون المشتعلة والحارقة. وهكذا نتحول ونتطور من الفياضانات العارمة الشاملة ، مما هو حلم بالماء، وما هو بحر وبحري، حلمته بشيء من الهوس " غَسَّالَةِ النْوَادِر"- نحو "حلم النار"، أحلام القيامات والنهايات والحرائق الشاملة الذي تحملها " عَرَبْ" : وما هذا الحلم سوى حلم التبخر، أي الثمر المر الذي يُجْنَىمن أحلام الجمر والحرق، والجفاف، والبيداء، والصحاري والقفر والجدب والجفاف، وكل صور الاشتعال والاحتراق. ولا يجب أن يفوتنا القول إن حلم الصحراء قد سبق ودشنته مسرحية " لاَمْ" فمهدت له بوجوه وصور أخرى ومعاني وسياقات أخرى، فما فعلت " عَرَبْ" ها هنا سوى أن جعلت هذا الحلم الصحراوي يينع ويتفتح أكثر فأكثر ك "أَزْهار الشَّرِّ") لِشَارْلْ بُودْلِيرْ). وتتناثر الشارات الدالة على حلم النار هنا وهناك وتتكاثر فتغمز حينا وتفصح أحيانا، ويبقى الموقد الذي يتقد ويلتهب أمام أعيننا بلا جدوى- بما أنه ما برح ينطفئ- فَيُشْعِلُه المُحَاصَرُون خير دليل بَيِّنٍ على أننا حيال عالم يلتهب ويضطرم وإنسانية تشتعل وتحترق .
النار توقع تنامي العواطف وعواصفها وتفصل وتنقط أداء الممثلين، أقوالهم وأفعالهم . هي نار تلتهب وتخبو حسب قوة صعود الغضب واشتداده وحدته، والتهيآت الحربية للشخصيات واستعداداتهم ووفق خفوت وانخفاض الغضب المقاتل للمحاربين. عند ما تنتهي النار، لا يبقى سوى الرماد. تماما مثل هؤلاء المحاصرين الذين استسلموا و "انطفؤوا". وهكذا فإن شخصيات " عَرَبْ" هم أصلا كائنات من نار، كائنات تشتعل وتتقد حتى الانطفاء، إلى أن يصيروا رمادا. الكائن كما يُقْتَرَحُعلينا في- ومن - " عَرَبْ" ليس في الحقيقة إلا طاقة تَحْتَرِق، تستهلك نفسها وتستوفى ذاتها. " عَرَبْ"، وهي في ما فيه من جمالها التراجيدي، تتجوهر في تصوير درامية هذا الانزلاق التدريجي وتبيان ذلك التحول والتحوير الذي يحدث الهوينى لحظة بلحظة ولكن بلا هوادة و استئناف، بلا إيقاف تنفيذ ولا تأخير، بلا مهرب ولا مفر. إنها نار وقع رميها كالرجم فحكم عليها حكما أبديا بالانطفاء بالخفوت والسكوت، بالانهيار والانتفاء، فينتهي- والكل ينتهي- رمادا.
-----------------------
(١) استعمل عبد الحليم المسعودي هذا العنوان الفرعي كعنوان رئيسي لكتابه الجديد الذي سيصدر قريبا بمناسبة معرض الكتاب ( هذا ما جاء في الإعلان الصادر في صفحته للتواصل الاجتماعي -"فايس بوك"). والعنوان الكامل للكتاب سيكون كالآتي : "النار والرماد- قراءة نقدية في تجربة المسرح الجديد (1975-1988)".
تعليقات
إرسال تعليق