معجم بورديو (3)

نواصل نشر  ماتوافينا به الدكتورة الزهرة ابراهيم مشكورة مدخلا اخر من مداخل معجم بورديو  فلها منا   التحية والتقدير

استرتيجية

         سيجعل بورديو من تصور الاستراتيجية جزءا مهما من مشروعه حتى يرد الاعتبار النظري إلى الفاعل، وإلى الفعل والممارسة. وحتى نفهم حمولة هذا التصور، يجب اعتبار هذا الجزء لا معنى له إلا بالصفة التي يندمج من خلالها في نسق الأجزاء المتصلة به - هابيتوس، حقل- حس عملي، رأسمال، إلخ- والتي تؤلف نظرية الممارسة، إن لم يوجد ما يعترض الوقوع في المعنى النقيض الذي يستلزم تأويله بالاعتماد على القبول الشائع لتصور الاستراتيجة، كما لو أنه يفرض العودة إلى الموضوعانية من غير قيد ولا شرط. والحال أنه إذا كانت الأفعال المستهدفة من طرف بورديو موجَّهة موضوعيا بالنسبة إلى غايات ما، فإنها تستطيع أن لا تطابق جيدا الغايات المتبعة بشكل واع من طرف فاعليها فـ: «الهابيتوس مبدأ لتسلسل الصدمات المنظَّمة موضوعيا كاستراتيجيات من دون أن تكون قط نتاج رغبة استراتيجية حقيقية (ما يَفترض، مثلا أن تصير مدرَكة كاستراتيجية من بين أخرى ممكنة)».1 فالتوجه الاستراتيجي قيد المناقشة ليس عبارة عن اختيار فردي إذاً، وقد تم وضعه بكل معرفة، ثم توجيهه بواسطة التقدير العقلي لوسائل الفعل المتناسقة فيما بينها من أجل تحقيق غاية ما، وغير قابلة للانفصال عن الهابيتوس الذي يحملها، «فهي نتاج للحس العملي كنتاج للعب».2 فالاستراتيجية كحس للعب هي الاستراتيجية كما تفهم عموما في الاستباق الحادث في اندفاع الفعل (مثلا، ذلك الخاص بالعبور غير المتقاطع  Passing décroisé الذي يتهيأ فعليا ليجعل لاعب التنس خصما بمقتضى الفرصة الراسخة البنية (الكثيفة الحضور) التي تمنحه إياها وضعية اللعب إذاً) هو في المشروع المخطط على المدى البعيد. هذه الطموحات ليست في حاجة إلى أن تكون مطروحة بهذا الشكل، إنها تنكشف من الحس العملي، أعني، من ذكاء فوري للوضعيات التي تصدر عن معرفة عملية باللعب، أي عن الاندماج التدريجي لإكراهاته الثابتة وموجوداته الموضوعية بالقوة: «اللاعب الجيد الذي هو نوعا ما اللعب الذي يصنع الإنسان، ويفعل في كل لحظة ما ينبغي عليه فعله، ما يطلبه اللعب ويقتضيه. وهذا الأمر يفترض تدخلا دائما ولا غنى عنه للتكيف مع وضعيات متنوعة بشكل لا نهائي، كما أنها ليست متطابقة على الوجه الأكمل».3
             لا يقصي علم الاجتماع أن تكون أجوبة الهابيتوس مترافقة مع التقديرات الاستراتيجية بالمعنى الشائع، التي تجري على الكيفية الواعية، لكنه يطرح أن الاستراتيجيات العملية للهابيتوس تظهر أساسا من كيفية أخرى، تلك الخاصة بتقويم الممكنات المؤسَّسة على شكل من الاستقراء الإجرائي من تحوُّل الأثر السابق إلى أثر مُسقَط.4 إن «حس اللعب هو هذا الحس الآتي في اللعب، ما ينبغي فعله ("الشيء الوحيد الذي ينبغي فعله" أو "فعل ما كان ينبغي فعله")، وذلك من أجل أن يَحدث الآتي الذي يعلن عن نفسه فيه لهابيتوس مهيأ سلفا ليستبقه، إنه حس تاريخ اللعب هذا، الذي لا يعضَّد إلا من خلال تجربة اللعب».5 وبما أن الهابيتوس معضد بهذه التجربة المدمجَة في اللعب السابق، فإنه يستبق ما هو آت -الأشياء التي يجب فعلها، والتي لا يجب فعلها، ثم التي ينبغي قولها والتي لا ينبغي قولها للبقاء في اللعب- كأنه مسجَّل فوريا في الحاضر. «فالاستراتيجيات، بالفعل، يشرح بورديو، ليست أجوبة مجردة، كوضع سوق الشغل أو معدل مصلحة متوسطة: إنها تتحدد بالنسبة إلى إغراءات مسجَّلة في العالم نفسه، على شكل مؤشرات إيجابية أو سلبية لا تتوجه إلى أي كان، ولكنها ليست "ناطقة" بتعارض مع كل "ما لا يهمها") إلا من أجل فاعلين متميزين بحيازة رأسمال معين وهابيتوس معين».6
       فحس اللعب هو التحكم العملي في العلاقة بين فعل اللعب (الاستراتيجية) والتوزيعة الأولى لورق اللعب من أجل انطلاق (الرأسمال). إنه يورط الإدراك، وذلك بواسطة الهابيتوس حتى ليميزهما عن الملامح «الناطقة» لوضعية اللعب. وعلى وجه الخصوص مؤشرات الرأسمال الذي يحوزه اللاعبون الآخرون. فهذه الحساسية للعامل الاستراتيجي - يمكن أن يتعلق الأمر بـ «ذات» فردية كما بالعائلة، «ذات» جماعية- لإغراءات اللعب، إذاً فهي نفسها تابعة لموقعه داخل الفضاء الاجتماعي، أي لحجم وبنية الرأسمال الذي يتوفر عليه. لا تختلف استرلتيجيات الهابيتوس ليس فقط عن تلك المتعلقة بنموذج العامل العقلاني لأنها لا تورط التقدير الواعي، إنها، بذلك، تتميز بالقدر ذاته لأنها تخون رابط هذه المواقف التي تم اتخاذها مع المواقع المشغولة داخل الحقول وفي الفضاء الاجتماعي. إن حس التوطين يلعب دورا أساسيا في تناسق التوجهات الاستراتيجية، بحيث يمرِّر بطريقة مضمرة هذه «الأماني الذاتية» إلى «الحظوظ الموضوعية» التي يمنحها الكون الاجتماعي: «فالأشياء التي ينبغي فعلها، والأعمال الإنسانية  les Pragmata  التي هي في علاقة متبادلة مع المعرفة العملية، تتحدد في العلاقة بين بنية الأماني أو الانتظارات المكوِّنة للهابيتوس وبنية الاحتمالات التي تكون الفضاء الاجتماعي. معناه القول إن الاحتمالات الموضوعية لا تصير محدِّدة إلا لفاعل منعَم عليه بحس اللعب كقدرة لاستباق ما هو آت في اللعب».7 فالاستراتيجيات التي يطورها الفاعل تنجم عن تورطه (وهم) في اللعب وفي حسه للعب، إنها تتضمن استباقات إجرائية وميولات متأصلة في اللعب التي تتوافق مع ما يمكن أن يتمنى (فقط) تحقيقه بواسطة الموقع الذي يشغله. «وعلى هذا النحو فالسلطة (أي الرأسمال، الطاقة الاجتماعية) تقود الموجودات بالقوة الممنوحة موضوعيا لكل لاعب، (...) فالهابيتوس هو هذه "القدرة على الوجود" التي تنزع إلى إنتاج ممارسات مضبوطة موضوعيا مع الإمكانيات، وخصوصا بتوجيه إدراك الإمكانيات المسجلة وتقديرها داخل الوضعية الراهنة».8
          وانطلاقا من هذا «القانون النزوعي للسلوكات الإنسانية»، يمكننا أن نكشف الدوافع التي تسهر على الثبات النسبي للنظام الاجتماعي غير العادل. وبالفعل، فكما أن «الفاعلين يملكون سلطات (محددة بحجم وبنية رأسمالهم) غير متساوية جدا»، ثم إن استراتيجياتهم تميل إلى الانضباط مع سلطتهم، فهي معاينة يمكن أن نقوم بها فيما يخص الاستثمار غير العادل للأسر والأطفال في التربية، استثمار يعد من بين العوامل الرئيسة في النجاح المدرسي). فتقسيم وتوزيع المواقع داخل الفضاء الاجتماعي (علاقات السيطرة) ينزع إلى البقاء ثابتا. إن «"سببية المحتمل" التي تميل إلى تيسير ضبط الأماني مع الحظوظ هو من دون شك واحد من العوامل الأكثر قوة للحفاظ على النظام الاجتماعي. (...) إنها تؤمِّن خضوع المسيطر عليهم اللامشروط للنظام القائم الذي تقوم العلاقة الدوكسية بتوريط العالم فيه. فهو انخراط فوري يجعل شروط الوجود التي لا تُحتمل إطلاقا (من وجهة نظر الهابيتوس الذي تم تكوينه في شروط أخرى) في منأى عن طرحه للمناقشة أو الاعتراض عنه».9 وعلى هذا النحو، فإن القبول الضمني والدائم لشرطه، حتى المستحق أحيانا، يحدد بنيويا إطار الاستراتيجيات المعتبَرة والممكنة.     
         فمفهوم الاستراتيجية الذي أعده بورديو لا يستمد أصله من المثال الاقتصادي. ولو أن تنسيق الممارسات بإشراك التصورات -المعدَّلة بشكل عميق- الاستراتيجية، والمنافع والرأسمال، فإنه يدمج، بمعنى ما، هذا المثال، داخل تكوّن تفكيره، من رفض للآلية الموروثة عن مخالطته لميرلوبونتي، وعلى وجه التحديد، من بنية السلوك.10 وبما أنه غائب عن مدونة سنوات الستينيات، فإن مفهوم استراتيجية ظهر للمرة الأولى سنة 1970 في: L’Esquisse d’une théorie de la pratique ، وفي مقال معاصر يحمل عنوان «الاستراتيجيات الزواجية في نسق إعادة الإنتاج»11 فقد تم إدراجه كـ «أداة للقطيعة مع وجهة النظر الموضوعية ومع الفعل من دون فاعل التي تقترحها البنيوية».12 فظهوره في المؤلف هو ثمرة تفكير في الحدود النظرية والتجريبية للاستعانة البنيوية بلغة القواعد لتحلل منطق المبادلات الزواجية والممارسات التوريثية في  Béarnوفي القبائل الجزائرية. فعالم الاجتماع يبني تصور «نسق استراتيجيات إعادة الإنتاج» حتى يفكر في مجمع الأفعال (استراتيجيات الاستثمار البيولوجي، الاستراتيجيات التوريثية والزواجية، إلخ.) التي تكوّن نسقا، والتي مهما أنها موجَّهة موضوعيا نحو إعادة إنتاج الأسر أو «البيوت»)، إلا أنها لا تترجم علاقة نشيطة، بل إبداعية، مع الإكراهات التي تكيّفها (سوق الشغل، حق التوريث، حق الملكية، إلخ.) هذه الإمكانية لإجابات نشيطة13 حول الإكراهات المسجلة في موضوعية البنيات الاجتماعية فتبطل الرؤية البنيوية التي تنزع إلى أن تجعل من الفاعلين الاجتماعيين مجرد منفذين للقواعد التي تسير الأنساق الرمزية. يجب أن نطرح وجود استراتيجيات زواجية، أحرى قواعد الأبوة حتى نعيد إلى الممارسة «لعِبها» و«رهاناتها»، وأن نخوّل لأنفسنا، على هذا النحو، إعادة هذه الاستراتيجيات إلى موضعها في النسق الشامل لاستراتيجيات إعادة الإنتاج، ووسائل فهم الحواجز الاجتماعية للزواج «الناجح». فرهان العبور من القاعدة إلى الاستراتيجية هو، حسب بورديو، في متناول الكل. وكما لمّح إلى ذلك قبلا كتابه  L’Esquisse، فهذا القلب سيكون في صلب نقد العقل النظري الذي يتهيأ وقتذاك في حضن نظرية الممارسة، ثم يصبح تصور الاستراتيجيات، بالتالي، عنصرا جوهريا لتوطيد وإشعاع النظرية الاجتماعية للهابيتوس.
       فتصور بورديو للاستراتيجية عبر إعادة إدراج لشكل من الفاعلية والغائية، يطمح إذاً إلى أن تقي نفسها من مبدأ سكولائي ذي الخضوع الآلي للقاعدة، ولكنه ينبغي الاحتياط من خطأ سكولائي آخر، وهو الخطأ الذي «يميل إلى إدراك غائي للممارسة بشكل ساذج (ذلك الذي يدعم الاستعمال العادي للمفاهيم كمنفعة، وكتقدير عقلاني، إلخ.)»14 لذلك، فهو مدرَك منذ الأصل كعلاقة داخلية مع تصور الهابيتوس والإكراهات البنيوية التي تكيفه. «فعلا، يفسر بورديو، فكل جهدي يسعى إلى (...) تحليل السلوكات (...) بحيث إنها تأخذ شكل متوالية موجَّهة موضوعيا بمرجعيتها نحو غاية، من غير أن تكون بالضرورة نتاج استراتيجية واعية، ولا تحديد آلي. فالفاعلون يصادفون، نوعا ما، ممارسة لهم، أحرى أنهم يختارونها في مشروع حر أو أنهم ليسوا مدفوعين لها بإكراه آلي».15 يجد بورديو ثانية، وهذا ليس طبعا عن طريق الصدفة، منطق المصارعة القائم على لا هذا ولا ذاك، الذي يشكل قالب «فلسفة اللبس» عند ميرلو بونتي: لا تحديد آلي ولا استراتيجية قصدية، لا بافلوف ولا سارتر. إنه يرث تصور الهابيتوس من هذا الحكم المتناظر للرفض الهجين. فبين حس اللعب والانبناء الموضوعي للممارسات، وحرية الاختراع، والإكراهات البنيوية، والنشاط والجمود، واستراتيجية الهابيتوس، فإنه يبحر على الدوام بين سعيرين نظريين.  وينتج عن هذا تصور تحت الضغط يقوم التحليل النظري بتعرية حدوده والتباساته، بل إحراجاته. فمن جهة، فإن هذه الصعوبات التصورية هي التي تعترض كل تفكير اعتيادي يقصي الثنائيات التقليدية. ومما لا شك فيه، فإن الجوهري لا يوجد هنا، فالاستراتيجية عند بورديو هي تصور مؤسِّس للأنثروبولوجيا الخاصة به أقل مما هي تصور إجرائي لعلم الاجتماع الذي أسسه. فبورديو نفسه لا يخفي تحفظاته إزاء هذا التصور16، لكنه يعطي امتيازا للبعد «الاستراتيجي» الموجَّه قبل كل شيء إلى إرباك مقاربات السكولائية والرؤى الآلية لنظرية الهابيتوس. وبالنسبة إلى عالم الاجتماع، كما يلمّح إلى ذلك، فهو أيضا نجاح تصوره للاستراتيجية في علم الاجتماع، فالمشاكل التصورية المطروحة هي أقل شأنا بالقياس إلى خصوبة إشكاليات البحث المستخلصة، والتباسات الجهاز النظري التي تبدو أحيانا مطابقة لمرونة المساعَدة على الكشف في الميدان التجريبي.
هوامش استراتيجية:

1-Esquisse d’une théorie de la pratique : Trois études d’ethnologie Kabyle (1972), coll. « Points Essais », Éd. du Seuil, Paris, 2000. P.75.
2-Choses dites, coll. « Le sens commun », Éd. de Minuit ; Paris, 1987. P.79.
3-Ibid- P. 79.
4- Le sens pratique, coll. « Le sens commun », Éd. de Minuit ; Paris, 1980.P. 89.
5- Méditations Pascaliennes, coll. « Liber », Éd. du Seuil, Paris, 1997,  p.252.
6-Ibid- P. 261-262.
7-Ibid- P. 252.
8-Ibid- P. 258.
9-Ibid- P. 273.
10-cf. Pinto.L., Sapiro.G, Champagne.P, Pierre Bourdieu, sociologue, op.cit, p. 84-85.
11-«Les stratégies marimoniales dans le système de reproduction» ; Annales, 4-5 Juillet 1972, p.1105-1127.
12-Choses dites, ibid, p. 79.
13-«Stratégies de reproduction et modes de domination» Actes de la recherche en sciences sociales, année 1994, volume 105, numéro 1, p.3-12.
14-Choses dites, ibid, p. 127.
15- Ibid- P. 127.
16-Ibidem- P. 127.



تعليقات