من روائع المسرح التونسي :
"عَرَبْ " لمجموعة " المَسْرَحِ الجَدِيد"
تأليف وترجمة محمد مومن
ملاحظة :
نشر هذا المقال باللسان الفرنسي في الجريدة اليومية " لُوتَانْ " [Le Temps]"، يوم الأحد ١٤ من شهر جوان٧ ١٩٨، وقد عنونته أنذاك بعنوان كبير : " صور أرفية ديونييسية". وها أني أعود بعد واحد وثلاثين عاما لأترجمه لكم مقطعا بعد مقطع، وذلك بمعدل مقطوعة كل يوم حرصت أن تكون معنونة بعنوانها الفرعي. واليوم أترجم لكم هنا في "وقائع" مقطعا من المقال الذي يحمل العنوان الكبير "صُوَرٌ أُرْفِيَّةٌ وَدِيُونِيسِيَّة". وهو المقطع الأخير لهذا المقال الثاني. وإن نفعل هذا فللتاريخ والذكرى. أليست الذكرى تنفع المؤمنين؟
لون الأرض والتراب،
لون الرماد والغبار
وبما أنها أغنية الليل على الليل، أي بما أنها "لَيَالِي " كما يقول المغنون المطربون، فإن " عَرَبْ" تحجم على عرض أزياء ألوانها زاهية. إن ما يهيمن هي الألوان الحالكة الغامقة، ألوان الليل والغسق، خاصة الغسق. ولا يذهبن في حسباننا أن السواد يسود، فرغم أنه من ألوان الدرجة الصفر للألوان فلا نراه يغلب ولا يهيمن. أيكون اللون الأسود مكروها؟ ما لا شك فيه أنه يبدو مبعدا أو منسيا. وحتى إن لم يكن مكروها فهو ليس على كل حال محبوبا. لا نلتقي إلا بالألوان القريبة والشبيهة بالرماد : الرمادي والبني غير الشعشاعي، وأحيانا البياض غير الصافي.
ما يغلب هي الألوان التي في لون الأرض- الألوان "الأرضية" : أخضر- أرض، أحمر- أرض، أصفر- أرض. وهذه السمة الطاغية في ألوان أزياء " عَرَبْ " لمن الأشياء الطبيعية جدا بالنظر إلى كون هذا النشيد الدرامي ليس سوى "حلم حول الأرض" والرماد. ورغم هذا التلوين الذي لُوِّنِتْ به الأزياء، نجد ك " اللَّطْخَةِ" اللونية الحية : ذاك الأحمر القاني للباس " حُورِيَّة". هذا الأحمر الذي يقطع مع تلوينات الأزياء التي تحملها الشخصيات الأخرى هو شارة تحيل إلى لون الدم – وسيعبر " خَليلُ" المصور الفوتوغرافي، العِرِّيفِ بالألوان وعشيرها، عن هذه الشحنة الرمزية لهذا الأحمر الغامق : " الدَّمْ لاَبْسِكْ ".
ولكن هذا الأحمر يوحي إلينا بالنار. وهذا لا غرابة فيه ﻷنه من طينة هذه الرواية التي لا تلهج إلا بالموت والنار. وليس من الصدفة في شيء أن يتغير شيئا فشيئا لباس" حُورِيَّة " من هذه النار، من هذه الحمرة الطاغية إلى اللون الشائع الذي يصبغ أزياء باقي الشخصيات، يعني إلى اللون الأخضر المستوحي من الأرض. في أشكالها، أي في تراكيبها وتآليفها، في طرق فصالتها، ما فتئت الأزياء تقول الأرض، وإذ هي تحكي عنها، تحكي عن البداوة، وليس على ما اتفق من البداوة، لا ! هي تحكي عن صنف معين من البداوة- البداوة النبيلة. هي تقص علينا قسوة الحياة في هذي الربوع المعادية المحاربة وتشير إلى هؤلاء القوم الشرسين، صعاب المراس.
وما يستوجب التأكيد عليه في باب الأزياء في "عَرَبْ" هو تجنبها والوصف والصفات، التوصيف المرجعي. فهي من صنف الأزياء التي لا تتحدد بحسب انتماءاتها وتجذرها في السياقات الزمنية والمكانية. وكما أنها لا تَتَحَدَّدُ تاريخيا فهي لا تُحَدِّدُ لا الأحداث ولا الشخصيات إن همها الأول ليس التأريخ. وبالتاالي فإنها ليست معنية بمسألة الوفاء للواقع التاريخي أو بوهم بلوغ "حقيقته " - إن وجدت حقا.
ويبدو من المفارقات أن يكون عدم التحديد وقلة التأطير وضعف الرغبة في التأريح من أنجح الوسائل وأنجعها للتعبير عن عروبتنا وعن بداوتنا البدائية. ومحصلة حديثنا هذا انك لن تعثر على ظل من ظلال ما يسمى" الفُلْكْلُورْ"، ولا على أدنى شارة تشبه ما يعبرون عنه ب " التِّرْحَال العمْرَانِي"، ذلك الترحال الثابت مكانه والذي لا يتوق إليه سوى ساكني المدائن، وعامري العواصم وآهلي الحاضرات. أجل، لا مجال هنا لصور رخيصة وتصورات مبتذلة. تنظر في رحاب " عَرَبْ "، هذه "الأُودِيسِيَة البدوية، فلا ترى في آفاقها أثرا لِطَيْفِ "أُمْ عَبَّاسْ
تعليقات
إرسال تعليق