الحذر ... الحذر المنتحلون قادمون
لم يعد في عالمنا مايشعرك بالأمان ، ولا بالاستقرار . فالفوضى تعمّ ، واللصوص ، والمرتزقة ، والرادحون يتسلّلون بين دقائق حيواتنا . ينهشون أيامنا ، وينتحلون صفاتنا ، ويخلطون الورق بالورق . حتى لم يعد لنا سوى الحيرة ، والفزع أمام هذه العتمة التي سيّجت المفاهيم ، وابتذلت الفكر ، وشوهت النشاط المعرفي والإنساني
بمباركة من يستقيم لهم هذا الوضع ، أو ينساق وراء اللعبة دون دراية . لكن الأمر سيبدو أكثر قساوة ، وأشدّ ايلاما ... حين تصل أيادي هؤلاء إلى الفن ليعبثوا به ، ويبتذلوه لا لشيء إلا لتكريس أرواحهم المريضة ، أو ممارسة الارتزاق باسمه حتى ولو أدى الأمر إلى النيل من نقائه ، وقداسته .
أنا ريم العياري فنانة تشكيلية تونسية لدي مايشير إلى اشتغالي على الفن ، ومزاولته منذ شبابي وتشهد بذلك معارضي ، ونشاطاتي ، وبطاقة احتراف فرنسية ومشاركاتي الفنية في تونس بلدي الحبيب الذي كان بداية تكوّني الفني ، أو في فرنسا حيث أعيش . بالاضافة الى المعارض والمشاركات الدولية التي شاركت فيها ، والجوائز التي جنيتها . كذلك الجمعيات الفنية الدولية التي انتمي لها .
أقمت ، ونسّقت العديد من الفعاليات الفنية والملتقيات في فرنسا واسبانيا ودول اخرى ، وكان للوطن الحبيب نصيب من الحلم ، والدين الذي برقبتي نحوه كفنانة تونسية فأسست ملتقى للفن تحت اسم " الملتقى المتوسطي للفن المعاصر " واستعنت بالفنان التشكيلي علي رشيد للعمل معه كمشرف فني على الملتقى لخبرته العالية ، وسمعته الفنية الكبيرة ، وعلاقاته بالفن العالمي وفنانيه ورموزه المهمة . وكذلك استأنست بخبرة الفنان التونسي الكبير والمعروف باكر بن فرج .
كلّ هذا لتقديم لبلدي مايليق بها من الفن التشكيلي، وما تستحق من الأعمال الفنية العالمية لتشكيل نواة لمتحف كان الحلم بتحقيقه في مدينة الحمامات حيث يقام الملتقى سنويا و بدعم من المركز الثقافي الدولي في الحمامات دار " سبستيان " الذي أصبح داعما ، وشريكا كبيرا في إقامة الملتقى سنويا . وكذلك بدعم من نزل في الحمامات الذي ناصف المركز في دعمه وبكرم مشكور ٬
لقد أضحت فعاليات الملتقى جزءا لايتجزأ من ضمير مدينة الحمامات ، وواقعها الثقافي خصوصا بعد رفد هذه المدينة بإبداعات فنانين ونحاتين عالميين ومن جغرافيات متعددة ، تمت دعوتهم بعناية لتكون أعمالهم ، ومنحوتاتهم حصيلة ثمينة لمدينة الحمامات ، ونواة لمتحف قادم للفن المعاصر في الحمامات كما هو الحلم والرغبة بتحقيق بصمة ثقافية خاصة ، ومميزة على مستوى الجمهورية يليق بهذه المدينة التي تستحق كل الخير لها ولأبنائها .
لقد شكّل حضور ، ورعاية الافتتاح من قبل السيد وزير الثقافة شخصيا دعما ، ورافدا جادا لهذا الملتقى ، وأهميته مما جعل مسؤوليتنا كبيرة في تفعيل هذه التظاهرة ودعمها بالأفكار ، والمقترحات . وبالفعل حققنا مجموعة فنية عالمية كبيرة ، وفي الدورة الأخيرة تمّت دعوة فنانين ونحاتين كبار تركوا أعمالهم ومنحوتاتهم الثمينة لتزين حدائق دار سبستيان على أمل التواصل سنويا.
ماحصل في الدورة الأخيرة أن اقتربت مني سيدة تونسية تعيش في باريس وقدمت نفسها كصحفية سابقة ، ورغبتها للعمل في الجانب الإعلامي للملتقى المتوسطي في الحمامات ، وكتابة الأخبار والتقارير الصحفية عن الملتقى . لم أجد في مشاركتها كأعلامية مايضرّ ، وبالفعل وافقت على مشاركتها معنا في الحقل الإعلامي للملتقى .
لكن بدلا من أن تكون مشاركتها دفعا للملتقى إعلاميا حسب ماكنت أتوقع سببت له العديد من المشاكل ، والمنغصات حيث لم تقدم في واجبها في مجال ماوعدت به إعلاميا ، بل بالعكس كان الملتقى في سنواته السابقة أكثر فاعلية إعلامية من خلال القنوات التلفزيونية ، والصحفية ، بل حتى مشاركة التلفزيون الوطني في المقابلات ، وتصوير الفعالية .
لم تكن مشاركتها أكثر من سياحة .بعد كلّ المشاكل التي سببتها السيدة " و. ع " التي رغبت بالمشاركة باسم الإعلام ابلغتها صراحة عدم رغبتي في العمل معها مستقبلا . لكنني فوجئت هذه الأيام أن السيدة " و. ع " ونتيجة تواجدها معنا في الملتقى ، واحتكاكها بالفنانيين ، والنحاتين المشاركين ، وبمسؤولي المركز الثقافي الدولي بالحمامات ، وكذلك معرفتها بسبل عملنا فانها قامت بتقدم مشروع ملتقى فني ورغم هشاشة هذا الفعل أخلاقيا ، وهو السطو على أفكار ، وأعمال الآخرين ، وخططهم المستقبلية . لكن الأكثر لصوصية ، وتعسفا سلوكيا لايليق مع قيمة الفن وسموه هو أنها اختارت الحمامات مكانا لارتزاقها ، بل وقدمت المشروع بكل صلافة إلى المركز الثقافي الدولي بالحمامات ، واختارت نفس الموعد السنوي للملتقى المتوسطي للفن المعاصر في الحمامات ، بل ونفس الاسم " المتوسطي " مع تحوير بسيط وقدمت طلب دعم من أحد نزل الحمامات مستنسخة طريقة ومنهج عمل الملتقى المتوسطي .
بل اتصلت بنفس الفنانيين المشاركين بالملتقى وطلبت منهم المساعدة على ترشيح فنانين ونحاتين لملتقاها المزعوم .
حسنا يبقى السؤال ما الذي يجعل هذه السيدة تمارس هذا الانتحال ، وتدخل الفن من أبوابه الخلفية لتشويهه ، وما الإضافة التي ستقدمها وهي تستنسخ تجربة حقيقية وقائمة ؟. أم أن الأمر هو الاصرار على النيل من عمل حقيقي وجاد وافراغه من محتواه ، وجعل كلّ فعل وهدف نبيل بما فيها الفن مطية يمتطيها كلّ مرتزق ، أو عاطل عن العمل ، أو مغامر . هل أصبح الفن بهذه الهشاشة ، والضعف ، والتفكك ليتمكن منه المشاغبون ، ومتحينوا الفرص .؟
حسنا لنفرض أن السيدة " و. ع " رغبت في ملء وقت فراغها أما كان الأجدر بها أن تنظم ملتقى للصحافة كما تدعي انتماءها لهذا القطاع .؟ ثم أتساءل لكل من ساهم في دعم فعلها المشين ، وانتهاكها لحرمة ، وبسالة ، وقدسية الفن ماهو سبب دعمكم لكل هذا الخراب الأخلاقي والثقافي الذي يجعل اللصوصية مبدأ ، والانتحال موقفا، والشخص غير المناسب في المكان المناسب .
هل سنتحول كلّنا ضحايا هذا الهيجان من الفساد ، ولوثة الهدم ، والتشويه للقيم ، والمعارف ، والفن بأن نغطي رؤوسنا في الرماد ونتكتم على الابتزاز ، والتحالفات المشبوهة التي تعصف بكل دقائق الحياة .
أكتب هذا البيان للمسؤولين عن الثقافة في تونس ، وللمعنيين بالفن ومصداقيته ، ولكّل حريص على تونس ومستقبلها الفكري والمعرفي والانساني أن أوقفوا المنتحلين لأنهم سينتحلوا اسم البلاد بجرها للخراب دون رادع لهم لو بقينا متفرجين .
ريم عياري المنسق العام والمسؤولة عن الملتقى المتوسطي للفن المعاصر.
رئيسة جمعية "معا للفن المعاصر"
تعليقات
إرسال تعليق