من روائع المسرح التونسي :
"عَرَبْ " لمجموعة " المَسْرَحِ الجَدِيد"
تأليف وترجمة محمد مومن
ملاحظة :
نشر هذا المقال باللسان الفرنسي في الجريدة اليومية " لُوتَانْ " [Le Temps]"، يوم الأحد ١٤ من شهر جوان٧ ١٩٨، وقد عنونته أنذاك بعنوان كبير : " صور أرفية ديونييسية". وها أنني عدت بعد واحد وثلاثين عاما لأترجمه لكم مقطعا مقطعا، وذلك بمعدل مقطوعة كل يوم حرصت أن تكون معنونة بعنوانها الفرعي. واليوم، وبعد أن تمت ترجمة المقاطع، ها أنني أهديكم المقال الثاني هذا مترجما بالكامل. وإن نفعل هذا فللتاريخ والذكرى. أليست الذكرى تنفع المؤمنين؟
صور أُرْفِيةٌ ودِيُونِيسِيَّةٌ
ما زلنا نتجول بين صور " عَرَبْ " ونتنزه فيها وقد حاولنا بادئ ذي بدء أن نستخرج باقة منها مجتهدين في استنطاق بعضا من الأبعاد الميثولوجية التي تنشطها . وها أننا نواصل جولتنا وكلنا عزم على أن نبين كون هذه التغريبة التي
تذكرنا بعض لهجاتها وإيقاعاتها، وطقوسها وأجوائها، بشيء ما من السيرة الهلالية، تنُشَطِّها في الحقيقة رؤية "ديُونيسِيَة"، تلك التي تنهض على جماليات الإفراط والإفاضة، على السُّكْرِ والنشوة والإنتشاء، حسب رأي " فْرِيدرِيشْ نِيتْشَه" في سفره " ميلاد التراجيديا الإغريقية"، وتحركها أيضا رؤية " أُرْفِيَّةٌ" في شكل إسفار في بحور الظلمات وابحار في عوالم الليل .
على إيقاع الزلازل
تتوزع " عَرَبْ " حسب عشرة "حركات " : ربما يراها بعضهم " مقاطع " وهي في حقيقتها " مقطوعات" أو لا يشاهد فيها إلا ما يشبه " المَشَاهدَ" وهي ليست في أصلها سوى "لَوْحَاتّ"-" - بحميع المفاهيم المتعددة التي تعنيها العبارة بما فيها المعنى التشكيلي. ولا نرانا نبالغ إن قلنا إن عَرَبْ " " لها ملامح قصيدة تتألف من عشرة أبيات. وهو في الأخير ما يتنزل كعشر نقرات تصور إيقاع هذه السيرة الملحمية. والمفاجئ في هذا الإيقاع أنه يحيلنا على التَّوِّإلى الحركات التي تحدثها الهزات الأرضية وقت تحركاتها، وزمن تزلزلها. أرض العرب أرص زلازل: هي مما يسمى ب "دائرة" أو "نطاق النار"، أي منطقة الهزات الأرضية. ومما هو واضح كوضوح نور الضحى أننا قدام توزيع محكم بين فترات مشحنة للغاية (مشاجرات شديدة العنف) وفترات أخرى هادئة، تكاد تكون في سكون الموت).
وكأننا أمام أغنية، هي أغنية الموت والحياة، النار والرماد، لا تعرف ولا تعترف إلا بنظام إيقاعي واحد أحد ينبني على الفترات الزمانية القصوى والقصية : الصفر ، يعني هنا البطء المطلق، واللانهاية، أي السرعة التي ليس لها حدود. ويصبغ هذان الشكلان من السرعة الدرامية على "عَرَبْ إيقاعا " سنفونيا " بالمعنى الحرفي والموسيقي، لا المجازي والاستعاري للكلمة يتمثل توزيعا موسيقيا صرف، ها نحن إذن من جديد مع "المسرح الجديد" حيال فن درامي يتمثل توزيعا موسيقيا صرفا، أنشاء أركستراليا خالصا.
وهذا التأليف الأكسترالي قاعدته وعمدته التي يعتمدها هي تلك الزلازل والهزات والإضطرابات
من المسك إلى الدفن
تُشَّيِّدُ " عَرَبْ" مكانها الركحي، تَبنْيِه وتُقِيمُهُ، تُهَيِؤُهُ إن شئنا، حسب ثلاثة طوابق : العلي والأرضي وما تحت الأرضي. هذا الشكل يذكرنا بالهيكل الركحي الاليزاباتي المُقَامِ على تعدد المستويات والطبقات وعلى ما يسمى ب " الغُرَفِ"، وهي كلها
جهات ركحية تشير إلى ما يشبه الكَوَالِيسَأو الثُّقُب وما الثُّقُب سوى أماكن تظهر منها الشخصيات وفيها تختفي. ولكن الدور الأكبر الذي يلعبه هذا الشكل أنه يصور لنا هندسيا وبالتالي سينوغرافيا-- أي بلغة الفضاء ومفرداته -- مصير المُحَاصَرين الذين يجدون أنفسهم بين الأرض والسماء، بين حلمهم بالسمو والارتفاع، لنقل بالإِسْرَاءِ، وبؤس واقعهمككائنات أفقيا من علياء السماء، بين النار والرماد، بين الموت والحياة. يجيب على حلم الشخصيات بما هو "عمودي"، أي بكل ما هو صعود ورقي إلى عنان السماوات، واقع ما هو "أفقي"، ما هو توسع واكتساح للمساحات. هكذا تتمثل لنا الإشكاليات والأغراض الرئيسة ل" عَرَبْ"، فتتجسد بعلامات الفضاء.
ليس لشخصيات حكايتنا من عديد الخيارات : لها أن تبقى واقفة منتصبة القامة صامدة أو أن تسقط، فتخر بكامل هامتها، فتطيح طريحة وأحيانا صريعة : أي أن تستسلم وتستقيل. وما مصيرها في النهاية ؟ جميع الشخوص، بما هم حَمَّالَة الأحداث، سيقعون ويسقطون، نعم سيعرفون الهاوية. ستنتهي بهم أيامهم إلى بقايا حياة لا تُحْيَاإلا "أفقيا"، مع أديم الأرض وسطحها، في عُقْرِ بَيِّنللغبار : فالكل- كما كان يقول القدامى- يَتْرِبُ تُرَابًا. في هيئة الميتين المدفونين والراقدين تحت التراب. وأن تكون الشخوص هكذا، في وضعية إمساك رهيبة، بين بين، نازلة في منازل بين السماء والأرض، بين الملائكة والشياطين، فلا قرار ولا استقرار: وحده باب الموت يتراءى لهم كباب للنجاة والخلاص. هاهم قوى تتقاذفها الأهواء فلا يثبتون على الحب ولا يقطعون مع الحروب.
لا يطمئنون بعالم المثل ولا يلجأون لعوالم الواقع. هم تارة من جانب الحلم وتارة أخرى من جانب الحقيقة، مرة يم شعرا و أخرى يقطرون نثرا. هم باختصار شديد كائنات وقوى ملقاة بين الأسطورة والتاريخ. ورغم كل شيء، ستجد هذه البشرية نفسها مدفونة تحت اللحود. من المَسْكِ (وه التَّرَحُل، وعدم التَّمَسُّك) إلى الدَفْنِ )وهو القَبْرُ ) : ذلك هو مسار دراما " عَرَبْ"، يعني مجمل أحداثها المحكية وشخصياتها الحاملة لأفعالها المروية. وهذا، كل هذا مرسوم بوضوح تام بفضل هندسة الفضاء الركحي .
سهل ممتنع
هذه السهولة، وهي في حقيقتها بساطة، تبدو جلية في عَرَب"" على جميع المستويات : الدرامي (الخرافة أو الحكاية) والخطابي، السمعي والبصري، اللساني والمشهدي، المرئي والإنجازي. وأول ما نلاقي بساطة الحكاية التي تُحْكَى لنا. ويمكن تلخيصها في مجموعة قليلة من بضعة أحداث الجسام، في مجموعة قليلة من الأفعال الرئيسة : اختطاف (عربية)، هروب، لجوء، حصار، تقاتل بين المُحَاصَرِين ومحاولات رفع الحصار، فشل واستسلام. هذا من جهة الخرافة. أما ما كان من جهة تركيبة الشخصيات فنلحظ فيها أيضا نفس النزعة الواضحة للبساطة وإذا بها تقنع بأن تكون بعض السمات الجسدية والخاصيات المادية وتكتفي بأجزاء متفرقة من سيراتها الذاتية التي لم تعد إلا ذكريات باهتة مشتتة.
ورغم هذا الفقر الكبير في التحديدات الجسمانية والتوصيفات المادية – لنقل في التشخيص، إذن— نحن إزاء أرواح نبيلة. النبل، والغياب التام لمظاهر البذاءة، هو ما تتميز به هذه الأرواح القوية التي لا تتساهل أبد لا مع نفسها ولا مع الآخرين. وإن تنتهي وتعرف الموت فلأنها شخصيات قلقة، مقطعة، حائرة، وغير راضية بشيء. أما على مستوى البنية الزمانية التي تنبني حسبها حكاية "عَرَب"خرافة فما يغلب عليها هو منطق التسلسل والتتابع الزمني للأحداث. حركة الزمن في مراحله وفتراته، في كبريات "فصوله" هنا في "خط" متتابع، لا تعرف القطع والانقطاع أو القص. "خطية" زمنية طاغية في حكاية "عَرَب" الذي فالأحداث هنا لها ماضي ولها مستقبل ﻷنها تتطور في اتجاه تصاعدي بتحولها من السابق نحو اللاحق باستمرار.
للرؤية، للرؤيا
خلافا ل" غَسَّالِةِ النْوَادِرْ " أو " التَّحْقِيقْ " ، " عَرَبْ" لا تبالي بما هو سردي وتنشغل بما هو درامي فقط. كل ما يُقْتَرَح هنا على المُشَاهِدِ مَشَاهِدٌ ، يعني مقاطع حوارية. لن نلتقي إذن لا برواة ولا بساردين.
لن نرى سوى شخصيات فاعلة، تشارك بقوة، وهي في قلب الأحداث ونارها. وعود على بدء، ترى " عَرَبْ" تحاول أن تشتغل من جديد على التقنيات الدرامية التي استعملتها في " العِرْس " و" التَّحْقِيقْ و" لاَمْ". وهي وإن تنحى مثل هذا المنحى فلتعانق، في ما يشبه الوثبة ال" كلاسيكية " المريدة، لا تخفي أنها تغادر التقنيات الملحمية التي التجأت إليها في " التَّحْقِيقْ " و" غَسَّالِةِ النْوَادِرْ ". ربما بدأ " المسرح الجديد" ينضج، فلم يعد يعير وهذا من ثمرة التقادم وحكمة السنين، كبير اهتمام للتجارب الشكلية. وإذا بآفاق جديدة تنفتح مستقبلا في وجه "المسرح الجديد". هي آفاق تعتبر الرغبة في القول والحاجة إلى عرض الأشياء واظهارها من الأساسيات. و الانشغال بما هو أساسي يفسر الاجتهاد الكبير الذي نلاحظه في " عَرَبْ" من أجل اختزال صورها وعلاماتها أقصى ما يكون الاختزال. الإيجاز والاختصار لهما من أخلاقيات كتابة هذه المسرحية.
الهم الرئيس، وهذا واضح لا مراء فيه، هو تقديم مادة للرؤية والحلم، بكل بساطة ولكن أيضا بكل دقة وصرامة- بكل شعرية.
الصفر واللامتناهي
تنزع صورة " عَرَبْ" حسب ما يتراءى لنا من الوهلة الأولى إلى التفخيم. والتفخيم فيه شيء مما كان يعرف عند النقاد والبلاغيين القدامى، كقدامة بن جعفر أو بن وهب، ب"السَّرَفِ" الذي لا يُسْتَحْسَنُ في شيء من فنون القول إلا الشعر(الفن). و هو رأي أرسطو:" إن المستحيل المُقْنِعَ في الشعر أفضل من الممكن الذي لا يقنع" ( كتاب " الخَطَابَةُ"، الكتاب الأول، ٩ / ١٦٩). ولكن تُرَى في ماذا يتمثل هذا "التفخيم" أو هذا السرف؟
إنه يتجلى بادئ ذي بدء في العواطف المفرطة والمشاعر المتطرفة والأحاسيس المبالغ فيها. والسؤال الذي يحسن أن لا نتغافل عنه هو ما الذي يسمح بالحديث والحكم على أن هناك سرف؟ ما هي المقاييس التي يمكن اعتمادها حت يجوز القول والتفرقة بينن ما هو "إفراط" وما هو "تفريط"؟ إحقاقا للحق لا شيء. كل ما نستأنسه في هذا الباب هو من استنتاجاتنا التي نجنيها من اقتراحات " عَرَبْ " نفسها.
إنها هي التي تشي لنا بهذا وهي التي تشير علينا بهذا المسلك التفسيري أو التأويلي. نعم هي التي تشير علينا بانتهاج هذا النهج من القراءة. ولا يعسر علينا أن نستنتج أن هذه المسرحية تجنح إلى جمالية "الأقاصي" بما أنها تقترح علينا خرافة يقوم منطق الأحداث التي ترويها على تجاوز المتعارف وعدم الموافقة على المتفق عليه ولا قبول المتواضع عليه. فإذن" عَرَبْ" هي التي ترشدنا إلى رؤية ما تشاء أن نراه. وما نراه هو التطرف في كل الأفعال والأقوال والتصرفات التي يأتي بها أبطال المسرحية.
إنها شخصيات تعيش تجارب قصوى، حيث تغامر بعيدا وكأنها في اختبارات مستمرة تمتحن فيها نفسها وطاقاتها وقدراتها- حدودها، ولكنها لا تعرف حدودها ﻷنها ما فتئت تنقلها دائما أبعد فأبعد. إن دِينَها تَجَاوُزُ الحدود واختراق التخوم. نعم حكاياتها حكايات تطرف واسراف.
هي لا تعرف الوسط. قيل إن العرب، كمسلمين في غالبيتهم، هم أمة وسط. ها آن الأوان لمراجعة مثل هذه العقائد : أمة الوسط ليست وسطا. نعم، هي لا تعرف وسطية ولا تعترف بها. هل ترى أقصى نقطة هناك؟ تلك لها، تلك هدفها. هذه الأمة ناس من هذه الطينة ولا شيء يستطيع أن يغيرهم.
ليس هذا فحسب : يتجلى التفخيم أيضا في جسامة الحزن والألم الذي يخيم على سماوات أبطال هذه التراجيديا، في هذه القتامة التي لا حد لها، ولنا مثالا بليغا في شخصية " عَرْبِيَّة". فهذه شخصيات مهزومة وآيلة إلى الانقراض ولا تعترف بهزيمتها. هي للواقع رافضة وللحقيقة ناكرة. إنها لا تريد الاستسلام ولا الخضوع أو الخنوع. وكأننا بها تريد أن تذهب إلى أقصى أقاصيها علها تسبر أغوارها وآبارها وتكتشف ما هي عليه قادرة.
فهي لا تتساءل إن كانت حقا تستطيع صبرا على كل تلك الخطوب والمصائب والمحن والكوارث، والحال أن هذا التساؤل هو السؤال المضمر لهذه الفاجعة وهو الذي يجري في شرايينها فيشدنا إليها شدا.
ثم إن من مظاهر التفخيم والتضخيمل في "عَرَب " توق صورتها وشوقها كي تكون مشاهد ورؤى فسيحة واسعة رحبة شاسعة وكأننا بها تشتهي أن تكون عناقا كونيا، ومعانقة للعالمين. هناك ما يشبه القفزات أو الوثبات ال "إِيقَارِيَّة" (نسبة إلى " إِيقَارْ")، أي خفقان للعلو وجنوح للسمو ورغبة عارمة للطير والطيران : للإسراء. فمما لا شك فيه أن صورة "عَرَب" تندرج في رؤية درامية
لها صبغة " بَنُورَامِيَّة"، واسعة توسعية، ذات نزعة شاملة شمولية. وبحكم هذه الرغبة الجامحة لكل ما هو شامل جامع ترى هذه الصورة محمولة على "الامتناهي". فما الغرابة أن نراها تولي أهمية قصوى للكبر والعظمة وتعطي أفضلية صريحة للضخامة والجسامة : صور وأشكال كبيرة، أشياء وكائنات ضخمة، حكايات كبرى، إلخ.
ورغم كل هذا الذي قلنا ولم نقله، فإن التفخيم توازنه في "عَرَب" نزعة واضحة بَيِّنَةنحو " التَّصْغِير". لا، لم نقل التحقير وإنما قصدنا حقا التصغير. نلاحظ فعلا اهتمام كبير بكل ما هو صغير، حتى ذلك الذي يكاد لا يُرَى، وكأننا بهذه المسرحية تريد الإهتمام بما لا يهتم به عادة، وكأننا بها تنزع نزعة بينة نحو " الصّفْرِ" ( أليس من البديهيات- وليس من السخرية في شيء- أن تتحدث مسرحية حول العرب عن " الصّفْرِ" الذي ابتدعوه؟).
فتركيزها على صغائر الأشياء (القُمَّلْ، مثلا) ينحو هذا المنحى. فلا نستغربن أن نرى عناية مخصوصة بما هو من صنف الصور والأشكال الصغيرة، والأشياء والكائنات القزمة، والحكايات القصيرة التي لا تكاد تحكى. بين " الصّفْرِ" و" اللاَّمُتَنَاهي" ما فتئت "عَرَب " تتجول وتتنزه، تسافر وتسيح. تسبح. وسباحة لا تتردد في أن تكون سباحة كونية، ذلك أنها رغم كل شيء سباحة وسياحة كونية.
إن "ملحمية" "عَرَب " هي هذه : هذه السياحة وهذه السباحة. نعم، هذه السياحات والرحلات، هذه السفرات نحو الأقاصي، والاستكشافات للمناطق البعيدة حتى التخوم، حتى أطراف الدنيا ونهايات العوالم.
سنسمي" جَمَالِيَّة ديُونِيسِيَّة" (نسبة إلى "ديُونِيسوس(، هذه الرؤية الانشائية التي تقوم على السرف والإسراف. "بْرَاشْتْ" مات. ها هو ديُونِيسُوس .ديُونِيسُوس بنفسه
ضوء البرق
ربما كان التعرف على النزعتين اللتين رأينا أنهما يحكمان صورة عَرَبْ" فيتصرفان فيها ويُصَرِّفَانها غير كاف. لا بد أن ننتبه إلى الطابع النسقي الذي يميز اسعمالهما في " عَرَبْ". فهما يتصلان بكل مفردات النص الركحي.
والحق أن نزعة "التصغير" حد الدرجة الصفر والميل نحو "التفخيم"، السرف والغلو، حد تعدي الحدود وتجاوز كل منتهى للإرساء في اللا منتهى هما النزعتان اللذان يُديران نص الإضاءة الذي تكتبه "عَرَب ولكن ما عسانا نقصد حينما نتحدث عن "لامنتهى" الإنارة؟ إن ما نعنيه هو " الإِضَاءَةَ الشَّامِلَةَ "، يعني الإنارة التامة والكاملة التي لا تترك شيئا سابحا في العتمة. إنها في الحقيقة رفض جذري للظلمة التي لا تحضى بالوجود إلا بصفة لنقل "طبيعية"، أي في حال انطفاء الأنوار واختفائها، حين احتجابها أو عدم انتشارها، عندما لا تتوزع في جميع الزوايا والأركان بسبب العقبات التي تعطلها.
و" عَرَبْ" لا تتردد في استعمال هذا النوع من الإضاءة الشاملة غير أنها لا تستدعيىها حسب منطق " بْرَاشْتي" لكي تنشيء " تَبَاعُدًا" بين الشخوص ومُؤدِّينهَا، وبين ما يقوله الممثلون وما يفعلونه، أو لكي تخلق " مَسَافَاتٍ" ومفازات بين من هم فوق الركح ومن هم خارجه، أي من هم في القاعة )المتفرجون(. إن دعوتها لا تهدف إلى رفع الوهم والتوهم بل الغرض منه إبراز المسحة الدرامية للمَشَاهِدِ وإبانتها بجلاء. وإن ما تصبو إليه هذه الإضاءة الشاملة ليس تسليط الضوء فحسب وإنما أيضا إنارة لحظات التوتر القصوى أو كبريات المواجهات بوضعها وعرضها بكل وضوح وسفور على عيون الناس، تحت شمس المصابيح وضيائها، بتقديمها في النهار ونور الضحى. وإذا بالإضاءة فضح مبين وتعرية.
إن مهمة هذا الضرب من الإضاءة هو إذن الإظهار والإبانة، بما أنه من الصعب الاختفاء والإضمار في حضوره. أجل، يعسر أيما عسر على الأشخاص والأشياء الاحتجاب ويصبح التستر على المواقف والأوضاع من المستحيلات. وكمثال على هذا، شاهد "مشهد العراك" : ترى هنا تشابكا بالأيدي بين " قُرَيْشْ" )لَمِين النَّهْدِي ) و " مَنُّوبِي" فَتْحِي االهَدَّاوِي)) ! الإضاءة الشاملة في هذا المقام لا تخلق أي "تباعد" لا بين الأشياء ولا بين الرجال، بل إنها تبرز، بل إنها تفشي وتفضح، تهتك أسرار هذين الوحشين اللذين يتقاتلان كالوحوش، وبأبشع ما تكون الوحشية.
أثناء هذا المشهد المضاء إضاءة شاملة يتحول المُشَاهِدُ إِلَى شَاهِدٍ : وإذا بالركح يصير فجأة مسرحا شَاهِدا على عصر أصبحت فيه البشرية الوجه الآخر للحيوانية والإنسانية مرادفا للبربرية. الإضاءة الكاملة تساعدنا على كشف ما لا يكشف. إنها استكشاف للمخفي والدفين من الحقائق.
هذا ما كان من أمر الإنارة اللا متناهية. ولكن ما أمر " الدَّرَجَةَ الصِّفْرِ " من الإنارة؟ نكون مخطئين لو حسبناها غيابا للإضاءة. إنها عكس ذلك تماما بما أنها نوع من أنواع الإنارة ولكنها " إِنَارَة سَلْبِيَّة"،حيث إنها تسعى إلى حذف النور : هي إنارة بلا نور وإضاءة بلا ضوء. " عَرَبْ" تسبح في الظلام.
هيمنة الظلام ليست اعتباطية، فهي مبررة دراميا. وهناك جهد بين لجعلها مطابقة للواقع، قابلة لأن تكون مشابهة له : يبدو أن المُحَاصِرِين قطعوا بالفعل التيار الكهربائي. ولكننا نرى العتمة تلف جميع المشاهد التي تشي بالآلام المرة الشديدة وتوحي بالأوجاع والعذابات الداخلية الأليمة.
ما بين الصفر واللامتناهي، بين هذين القطبين القصيين، تبسط " الوَمْضَةُ " سلطانها ويفرض " الشُّعَاعُ" أحكامه. تصبح الإضاءة هنا شيئا شبيها ب " اللَّمَعَان"، فما نرى عوضا عن الأنوار غير لُمَعٍ لها ما لل " شَرَارَاتِ".
تسير الأشياء إذن في "عَرَب "، هذا الليل الذي لا ينتهي، وكأننا في عالم لا مكان فيه سو ى للبُرُوقِ. وحده البَرْقُ يحدثنا عن جوهر الشخصية : إنه قطعة من نار، ما أن تشتعل وتلتهب حتى تنطفئ. ونحن نرى الشخصية تسير في مسارات من الضوء ضيقة باهتة وأروقة من النور خانقة خافتة، كأنها منقادة منجذبة نحو النار. وما يُوحَىإلينا أن تلك الأروقة ليست إلا أروقة الموت : إن الكائن كما يتجلى في "عَرَب"، في كينونته وماهيته، لفراشة من الفراشات تأتي الضوء لتحترق وتصير رمادا. وبرهاننا في ذلك أن كل هاته الومضات والاشعاعات واللمع التي تنيره لا تنيره: إنها في الحقيقة تفسخه أو تنسخه فتنزع منه الكثير من حقيقته وما شاء من وجوديته وواقعيته. والحق، إننا لسنا إزاء شخصيات حقيقية وإنما أمام ما يشبه ال "هالات" الضوئية أو الأطياف والأشباح، لا شيء غير كائنات شيطانية (بما هي مخلوقات من نار، أو مما يشبه النار)، هاربة من الجحيم. لا شك في أنهم فَارُّونَ من أماكن قَصِيَّة مجهولة، لا تسمى.
يمكن القول إن نص الإضاءة في "عَرَب" يجتهد بجد لكي يجعل " لاَ وُجُودَ " هذا العالم الذي يُوحَى إلينا، هذا العالم السلبي إن شئنا، محسوسا ملموسا. إنه نص لا" يود تصوير سوى ليل هذه البشرية الشبه وهمية، ظلام هذه الإنسانية التي لا نتصورها وإن تصورناها فبجهد جهيد وشق الأنفس. و ما لا ريب فيه هو أن " الوَمْضَة " في "عَرَب" ليست أبدا شارة أمل. ولو كانت حقا علامة تحيل على الأمل لأتت من فوق، من السماء، ك "حَمَّامٍ من الضوء " -
وهو ما لا نراه إلا نادرا جدا. لا ! إنها العبارة الأخرى للموت، الوجه الآخر للفناء والفراغ. إن هذه الإنارة تعمل جاهدة على جعل الشخصيات لا شيئا". وكأننا بها لا هم لها إلا تحويل هذه المخلوقات إلى فحم. إلى رماد
لون الأرض والتراب،
لون الرماد والغبار
وبما أنها أغنية الليل على الليل، أي بما أنها "لَيَالِي " كما يقول المغنون المطربون، فإن " عَرَبْ" تحجم على عرض أزياء ألوانها زاهية.
إن ما يهيمن هي الألوان الحالكة الغامقة، ألوان الليل والغسق، خاصة الغسق. ولا يذهبن في حسباننا أن السواد يسود، فرغم أنه من ألوان الدرجة الصفر للألوان فلا نراه يغلب ولا يهيمن. أيكون اللون الأسود مكروها؟ ما لا شك فيه أنه يبدو مبعدا أو منسيا. وحتى إن لم يكن مكروها فهو ليس على كل حال محبوبا. لا نلتقي إلا بالألوان القريبة والشبيهة بالرماد : الرمادي والبني غير الشعشاعي، وأحيانا البياض غير الصافي. ما يغلب هي الألوان التي في لون الأرض- الألوان "الأرضية" : أخضر- أرض، أحمر- أرض، أصفر- أرض. وهذه السمة الطاغية في ألوان أزياء " عَرَبْ " لمن الأشياء الطبيعية جدا بالنظر إلى كون هذا النشيد الدرامي ليس سوى "حلم حول الأرض" والرماد. ورغم هذا التلوين الذي لُوِّنِتْ به الأزياء، نجد ك " اللَّطْخَةِ" اللونية الحية : ذاك الأحمر القاني للباس " حُورِيَّة".
هذا الأحمر الذي يقطع مع تلوينات الأزياء التي تحملها الشخصيات الأخرى هو شارة تحيل إلى لون الدم – وسيعبر " خَليلُ" المصور الفوتوغرافي، العِرِّيفِ بالألوان وعشيرها، عن هذه الشحنة الرمزية لهذا الأحمر الغامق : " الدَّمْ لاَبْسِكْ ".
ولكن هذا الأحمر يوحي إلينا بالنار. وهذا لا غرابة فيه ﻷنه من طينة هذه الرواية التي لا تلهج إلا بالموت والنار. وليس من الصدفة في شيء أن يتغير شيئا فشيئا لباس" حُورِيَّة " من هذه النار، من هذه الحمرة الطاغية إلى اللون الشائع الذي يصبغ أزياء باقي الشخصيات، يعني إلى اللون الأخضر المستوحي من الأرض. في أشكالها، أي في تراكيبها وتآليفها، في طرق فصالتها، ما فتئت الأزياء تقول الأرض، وإذ هي تحكي عنها، تحكي عن البداوة، وليس على ما اتفق من البداوة، لا ! هي تحكي عن صنف معين من البداوة- البداوة النبيلة. هي تقص علينا قسوة الحياة في هذي الربوع المعادية المحاربة وتشير إلى هؤلاء القوم الشرسين، صعاب المراس.
وما يستوجب التأكيد عليه في باب الأزياء في "عَرَبْ" هو تجنبها والوصف والصفات، التوصيف المرجعي. فهي من صنف الأزياء التي لا تتحدد بحسب انتماءاتها وتجذرها في السياقات الزمنية والمكانية. وكما أنها لا تَتَحَدَّدُ تاريخيا فهي لا تُحَدِّدُ لا الأحداث ولا الشخصيات إن همها الأول ليس التأريخ. وبالتاالي فإنها ليست معنية بمسألة الوفاء للواقع التاريخي أو بوهم بلوغ "حقيقته " - إن وجدت حقا.
ويبدو من المفارقات أن يكون عدم التحديد وقلة التأطير وضعف الرغبة في التأريح من أنجح الوسائل وأنجعها للتعبير عن عروبتنا وعن بداوتنا البدائية. ومحصلة حديثنا هذا انك لن تعثر على ظل من ظلال ما يسمى" الفُلْكْلُورْ"، ولا على أدنى شارة تشبه ما يعبرون عنه ب " التِّرْحَال العمْرَانِي"، ذلك الترحال الثابت مكانه والذي لا يتوق إليه سوى ساكني المدائن، وعامري العواصم وآهلي الحاضرات.
أجل، لا مجال هنا لصور رخيصة وتصورات مبتذلة. تنظر في رحاب " عَرَبْ "، هذه "الأُودِيسِيَة البدوية، فلا ترى في آفاقها أثرا لِطَيْفِ "أُمْ عَبَّاسْ
تعليقات
إرسال تعليق