قم للعرف


                  قُم  للعُرْف!
                              لمحمد مومن

        أحمد الحاذق العرف ناقد أدبي وفني ليس ككل النقاد. هو ناقد استثنائي. فذ، ليس له سميا. هو هرم من أهرامات هذا البلد الذي لا أهرامات له. إنه تاريخ، تاريخ هذه البلاد الفني الحديث. ضحى ما ضحى وأعطى بلا حساب لهذا البلد، ولم يطلب ولم يطالب، وكلما طلبوه واحتاجوه وجدوه، وغالبا ما يجدوه ما أن يحتاجوه دون أن يطلبوه. هكذا هو العرف ، من طينة تلك الانسانيات التي فقدناها إلا ما رحم ربي والتي كانت تحتضن قضايا شعوبها وتعتنق هموم أمتها، وبلا حدود وبلا حسابات ولا اهتمام بالعقابات.

كان كما كان يقال "يساري"، يعني أنه كان - ولا يزال على العهد - يؤمن بتغيير هذا الوطن. كان يمشي وفي عينيه حلم الثورة ضاربا لها كل يوم موعدا جديدا متجددا : غدا صباحا ستشرق تونس. كان يعيش بحلم شمس هذه الثورة التي ستبزغ. لقد كانت هي التي  تلهمه  كتاباته النقدية وتوحي له سبل نضالاته ومبادئها. لقد ساهم مساهمات فعالة بفضل كتاباته ومشاركاته النقدية والتنظيرية في إثراء وتجديد فكريات وممارسات التعبيرات الفنية التونسية منذ الستينات حتى بعد الثورة بقليل. حينذاك، بعد وقت قصير من تلك التي سموها "الثورة" رفع قلمه الجميل رفعا جميلا. تعففا. لقد رفع عاليا رايات التجديد والتنوير والتحرير في جميع مجالات الإبداع الأدبي والفني.

و كان مهابا ومسموعا حتى من طرف السلطة التي كانت تخشاه في السر والعلن. حاولوا تهميشه فما أفلحوا وسعوا إلى تخويفه فما نجحوا وعملوا على تجويعه فأبدا لم يخضع وتفننوا في تقزيمه وتحقيره فلم يخنع. كانت خدمة ثقافة شعبه هدفه الأسمى ومثله الأعلى ومعنى حياته وغاية غايات وجوده. انتصر للمعذبين في الأرض وعادى نهائيا وإلى الأبد الظلم والظالمين، ورفض فكر الاستبداد والمستبدين واستنكر أخلاق الاستعباد والمستعبدين. وما تبدل يوما :  العُرْفْ البارحة هو  العُرْفْ اليوم. لم تغيره الأيام، ولم تغيره المناصب ولا الشهرة. لم يطمع في مال ولا ثروة. عاش ومازال فقيرا ولكن غنيا بحريته. كان حرا، كما لم يكن مسموحا به أن يكون، طليقا أبيا، كالعلم شامخا، رأسه في السماء، وأنفه مرفوعا حتى السحاب. إن كانت للكرامة والشرف والصدق من وجه فهو وجه أحمد حاذق العرف.

لا يجامل، ولا يهادن، لا ينافق ولا يخاف لومة لائم. في الدفاع عما يراه حق هذا الشعب، تراه جمرا وبركان، شرارا وزلزالا. والعرف فكر ناقد نافذ، حي كماء البحر، جدلي جدالي سجالي، مناقش،  دِيَالِكْتِيكِي، قيل إنه " جْدَانُوفِي"، لا، هو ماركسي لينيني،    ،دِيَالِكْتِي " سْتَالِينِي"، لا، هو " مَاوِي"، دِيَالِكْتِيكِي وصدامي في آن، خطيب بليغ، عَلَّمَنَا  فن الحوار ودربنا على صناعة النقاش والمناقشة. 

اسألوا دور الثقافة في العاصمة وداخل الجمهورية! اسألوا "دهليز ابن رشيق" وصالة المحاضرات في الطابق العلوي بابن خلدون أو حتى في قاعة عروض الأفلام! استرشدوا كم صال أحمد حاذق العرف وجال، وأقنع وسحر وأغرى، وعلم وأفهم وأثرى، وذلك طيلة عشرات السنين، وذلك في جميع الملتقيات والندوات واللقاءات والمهرجانات في كامل البلاد، شمالا، جنوبا، شرقا وغربا، من قربة والحمامات إلى الكاف أو المنستير، من بنزرت إلى  قابس وجربة، طبرقة وتستور، في كل مكان، في كل صوب وحدب : أغنانا فكرا وعلما ومعرفة وفهما، جميعا، كلنا، مثقفين وفنانين. حقره الأكاديميون ولكن فاتهم أنه يحتقرهم ويحتقر حقارتهم واحتقارهم، لقد كان من الأوائل في فضح جهلهم ونفاقهم -المعرفي والاجتماعي، العلمي والسياسي.

لم يحترم جهده إلا نفر من الجامعين المبدعين أمثال توفيق بكار وصالح القرمادي. وكان يحترمهم لا لأنهم يحترمونه ولكن  لأنهم رجال علم ومعرفة،  وحاملي قضية وهموم قومهم. مثقفين، كما يحلو له تعريف المثقف "غرامشيا" بالعضوي. أحبه الشعراء، وجلته القامات الحقيقية إن في الفكر أو  في الفن، إن في عوالم  التنظير أو الممارسة. وأحبه النزهاء والصادقون. سلوا أولاد أحمد أو آدم فتحي مثلا! سلوا خالد نجار وعلي اللواتي وفاضل الجعايبي وفاضل الجزيري وغيرهم من المثقفين وحتى السياسيين وهم كثر! ولا تنسوا بالمناسبة أن تسألوا المرحوم نورالدين خذر، منشط دار "سيراس" ومحييها سابقا : كان يموت في ما يكتب العرف حتى وإن لم يكن دائما متفقا معه. وهل يفسد الخلاف للود قضية؟ كل هؤلاء الناس النبلاء أحبوه ونضاله، احترموه وفكره، أكبروا فيه صدقه ونزاهته وبراءته، وما كانوا بالضرورة متفقين معه في مضامين وأساليب معالجاته للقضايا الفكرية والسياسية والأدبية والفنية، وجميع المسائل الثقافية المطروحة. لم يكرهه إلا أشباه المثقفين وأدعياء الفن المزيفون

 فهل يمكن أن يُعَادَى  مثل هذا الصرح الثقافي والفكري الكبير أو  يُعْتَدَىعليه؟ كان علينا أن نكرمه ونقيم له الندوات وأن نحتفي به وندرس تجربته الطويلة والغنية في الجامعات وغير الجامعات، في "بيت الحكمة" مثلا، تلك الآية من الآيات العجيبة للأسماء الأضداد، "بيت الحكمة" التي لا حكمة فيها أو لها، وهي ما هي،  تلك القلعة الخاوية التي لا أحد يعرف ولا يريد أن يعرف ماذا هي فاعلة. أجل هل مثل هذا المجاهد الثقافي يُعَادَى ؟ كيف يسمح فنان مثل توفيق الجبالي لنفسه أن يتهجم على أحمد حاذق العرف؟ كيف تسول له نفسه أن يقزم أحد أعلام ثقافتنا التونسية المعاصرة.

للعرف ثقافيا على الجبالي فضائل وفضائل. فهل هكذا  يُعْتَرَفُبفضل أهل الفضائل علينا؟ العرف، أعيدها، تاريخ كامل (الكامل في تاريخنا- الفني والثقافي  الحديث، نعم) : هو خمسون سنة من الكتابة، والكتابة  المناضلة الملتزمة، المقاومة للرداءة، وبالتالي المؤسسة لثقافة بديلة، أي لقيم ولآراء أخرى، لمثل ومبادئ أخرى، لأفكار وسلوكات وتصرفات أخرى : لحياة أخرى. ربما لا نتفق مع العرف. لكن هل هذا يعني أننا على حق، وهو على باطل. هل هذا يعني أن  آراءنا ذكية، قيمة وجميلة صحيحة، وأفكار العرف حمقاء غبية، تافهة رديئة، قبيحة وغالطة غير صحيحة؟

 ما هذا! ما هذا التحجر! ما هذا الاسمنت والصخر! كيف يمكن لنا في القرن الواحد والعشرين، مع ما يحدث في الدنيا وفي حياتنا الآن، أن نكون بهذا الانغلاق؟ يا توفيق جبالي- وأقولها  لك وأنا قد كنت استشعرتها في بعض المناسبات التي جمعتني بك : أنت توفيق الجبالي لا تحب إلا أفكار توفيق الجبالي. أن لا تحب، فلك ذلك، أن لا تحب، فأنت وذاك. أما أن لا تقبل باختلاف أفكار الآخر، فذلك غير مقبول، ولا معقول، ومرفوص ومكروه، خصوصا لما يكون آت وصادر من فنان مثلك ما يدعي من الحرية، ويطالب بها ما يطالب بها، في جميع المنابر وفي غير المنابر، في المجالس الخاصة والعامة. ثم ها أنك تمنعها عن الآخرين.  لسان حالك : "كن من صفي، ومن جانب أفكاري، وإلا أنت لست شيئا يذكر. أليس هذا جاهلية؟ لا يمكن أن نعد التهكم والتنكر والتفكه والتندر والسخرية والازدراء والاحتقار والتقزيم والتتفيه لشخص العرف وأعماله من الأعمال الشجاعة.

بل هي إلى عمل الجبن أقرب : العرف الآن  يعيش في عزلة تامة وفي شبه وحدة مرة قاتلة، في نكران ونسيان من الجميع، وهو فريسة لعمره المتقدم ولجسده الضعيف الذي لم يعد يتحمل الأمراض والسقام أكثر مما تحمل، والعرف لا سلطة ولا نفوذ له، ولا مال ولا ثروة له، لا جاه ولا قوة تحميه، فالتهجم عليه ليس من الشجاعة ولا من الشهامة ولا من "الفتوة" ولا من "الرجولية" في شيء.

 فكيف يسمح توفيق الجبالي لتوفيق الجبالي أن يهاجم ويعتدي ظلما - العرف على حسب علمنا لم يتعرض إليه بالسوء، إن قولا أو فعلا-  على "مثقف" و "مجاهد ثقافي" في حجم أحمد حاذق العرف؟ سؤال للجبالي :  وأنت في خريف العمر هذا، هل انتهت معاركك الفنية والفكرية والسياسية إلى هذا الحد حتى تختلق مجانيا وعبثيا معركة لا معنى ولا ذات أو صفات لها ؟ ولله في خلقه شؤون. وكم لنا، نحن الذين نرى ما نرى ونسمع ما نسمع ونقرأ ما نقرأ في هذه الأزمان "الكلبة" (وفي الحقيقة حاشا الكلاب- على الأقل لوفائهم!)، من شجون ومحون!

       

تعليقات

  1. عزيزي محمد .. لم افاجئ بهذا الكم من التجني و المشاعر المعادية .. انا اعتدت على تجاوزاتك اللفظية بمبرر او بدون .. و هو في انفصام مع تكنه لي من احترام و تقدير شفهيا و كتابة و انا الذي اشاطرك ايضا نفس مشاعر و الاحترام .. افهم غيرتنا على احمد حاذق العرف و هو ايضا صديقي و اكن له كل الاحترام و التقدير و ان كان من حقك ان تذود عنه بهذا العنف و التجاوز فانه من حقي ان اتوجه له بالنقد ( رأيا أو مشاكسة ) و هذا ما فاتك .. فانت عصمته شكلا و لكن اهملته مضمونا .. و هو ما يلي : كيف للعرف ان يكتب عن المسرح و هو منقطع عنه لعشرات السنين و لا يرتاده و لم اشاهده في قاعة او مناسبة صغرت ام كبرت ؟؟؟ ان كان هذا يغيضك فكذبني و ان كان لا يغيضك فلا تنتهك حقي في التساؤل .. ؟؟
    ملحوظة : أ لا يحق لمن هو في خريف العمر ان يجادل من " خرف " ذهنه ؟؟؟ ( أحيانا )
    المعجب : توفيق الجبالي

    ردحذف

إرسال تعليق