معجم بورديو: بنيوية


     Structuralisme   بنيوية      



تعريب : الدكتورة الزهرة براهيم                                                             
  
    لقد ساهمت قراءة ليڤي شتروس في تكوينه ليحلل الأنساق الرمزية، وهكذا، فقد جرب بورديو سريعا وبالملموس، ملاءمتها وحدودها في إطار أعماله لإثنولوجيا القبائل الجزائرية. ومنذ ذلك الوقت تخلص من المثال البنيوي الذي ظل يهيمن على مشهد العلوم الإنسانية ما بين 1950 و1960، مع استمراره في الاضطلاع بشكل مجدِّد للبنيوية: «إذا كان لي أن أميز عملي بلفظتين اثنتين (...)، فسأتكلم عن البنائية البنيوية أو البنيوية البنائية، وذلك بأخذ كلمة بنيوية بمعنى مخالف لذلك الذي يعطيه إياها التقليد السوسيري أو ذلك المنسوب إلى ليڤي شتروس».1 وبالفعل، فإن القطيعة قد اندمغت، في الوقت الذي كان فيه لليڤي شتروس نظرة سانكرونية للبنيات اللاواعية تفرض تحديدها على العلاقات الاجتماعية، وهو ما ينزع إلى إبطال الفاعل والتاريخ، ويعيد بورديو ثانية إدراج الفاعلية، فيقترب بهذا من البنيوية الوراثية لبياجي، حيث يجعل البنيات دينامية، إنه يؤرخن المفهوم المجرد للبنية بإقامة مبدأ جدلية البنيات الموضوعية والبنيات الذاتية. بهذه الكيفية يحدد بورديو «البنيوية البنائية» الذي يستند إليه (يحدث له أيضا أن يستحضر في نفس الركيزة «بنيويته الوراثية») :

«أريد القول إنه بالبنيوية أو البنائي يوجد في العالم الاجتماعي نفسه وليس فقط في الأنساق الرمزية واللغة والأسطورة إلخ...، بنيات موضوعية مستقلة عن وعي وإرادة الفاعلين القادرين على توجيه أو كبت ممارساتهم وتمثلاتهم. أريد أن أقول بأنه يوجد عبر البنائية تكوّن اجتماعي لجزء من أنظمة الإدراك والفكرة والفعل المؤلفة لما أسميه هابيتوس، ومن ناحية أخرى لبنيات اجتماعية، وبالأخص ما أسميه حقولا».2  وهكذا، فمن جهة، يتم إعادة البنيات إلى الميدان السوسيولوجي، فهي لا تعيِّن مطلقا الأنساق الرمزية الوحيدة، ولكن القِسْمات الموضوعية للعالم الاجتماعي (بنيات اجتماعية) وأنظمة الهابيتوس (البنيات الذاتية) المماثلة لها بنيويا، ومن جهة أخرى، هذان النوعان من البنيات المترابطة وراثيا، الجدلية المنسوبة إلى بورديو المميِّزة للبنيات البانية والمبنية. ومن أجل أن تُجعل هذه النقطة الأخيرة حساسة، فقد يخطر ببالنا إدماج عازف بيانو ممتاز لتعديلات موضوعية تسمح له بالتعبير عن نفسه: لا يستطيع أن يؤلف أو يرتجل بحرية (بنيات بانيّة) إلا على قاعدة من الإكراهات (بنيات مبنية) مندمجة طيلة سنوات، يصنع تشكيلات، ويتعلم الانسجام والطباق (لَحْنٌ يضاف إلى آخر على سبيل المصاحبة). إن مهارة العزف، إذا كانت موجَّهة موضوعيا بهذه الممارسات البانية، فهي فوق كل الصيغ الموضوعية. وحين يصير هابيتوسا، أي طبيعة ثانية، وينتهي تحقُّق البنية المبنية، فإنه «لا يمكن أن يظهر إلا كشكل طبيعي للطبيعة، لكل من هُمْ نتاج لنفس البنية».3 ومهما كان قليلا ما يوجد في عقولنا حول حدود َمثَل موضِّح يبين نتيجة -أكيد أنها أصبحت، بفعل العمل، معرفة منسية، معرفة بالجسد- فعل بيداغوجي مُظهَر، في حين أن نظرية الممارسة تثير الانتباه إلى أهمية البيداغوجيا المضمرة التي تنجم عن التركيب الاجتماعي لكل تطور للتجربة، فإن فن عازف البيانو يسمح بتوضيح دينامية وحرية الإبداع الذي يخول إدراجه في مثال الفعل دون الفاعل الذي تفترضه البنيوية الأرثودوكسية، إن فرضية الهابيتوس: «نسق مكتسب من أنظمة مولدة، يجعل الهابيتوس الإنتاج الحر ممكنا لكل الأفكار وكل الإدراكات وكل الأفعال المسجلة في الحدود الملازمة للشروط الخاصة لإنتاجه، ولهذا الأخير لا غير».4

        إن اعتراضات بورديو على البنيوية عديدة، فهو يهاجم بدءا التمييز السوسيري بين اللغة والكلام الذي، حسب رأيه، يقلص «فعل الكلام إلى مجرد تنفيذ» هذا الافتراض القبلي لـ «كل البنيويات»، المطبق على تقسيم ثقافة/سلوك، يمنع «التفكير في العلاقة بين كُنْهَيْنِ اثنين بطريقة مغايرة عن تلك الخاصة بالنموذج وبالتنفيذ وبالجوهر وبالوجود».5 فهو يؤاخذ على بنيوية ليڤي شتروس كذلك «محوها شروط الإنتاج، وإعادة الإنتاج واستعمال موضوعات رمزية حتى في الحركة التي كانت تُظهِر بها المنطق المتأصل»6، وهو ما يقربها بشكل مفارق من الاقتصاد الحدِّيّ الجديد Economie Néomarginaliste، الجاني هو أيضا حين «يتجاهل الظروف الاقتصادية والاجتماعية» التي يعيش فيها «الفاعلون التاريخيون الممنوحون باستعدادات مستدامة».7 وبالمقدار نفسه، ينتقد بورديو المفهوم البنيوي للاوعي، «هذا النوع من الإله المتحدر من الآلة  Deus ex machina الذي هو كذلك إله داخل الآلة un Dieu dans la machine».8 بالفعل، فإن ليڤي شتروس يلتمس تحت العلاقات الاجتماعية الملموسة بنية عامة ولاواعية، «نشاطا لاواعيا للعقل»، نسق أنظمة تُحشر بين البنيات التحتية والبنيات الفوقية لا يمكن إدراكها إلا بواسطة بناء نماذج مجردة. وبالنسبة إلى عالم الاجتماع الحريص على أن يتجاوز البنيوية الأرثودوكسية، فإن الأمر يتعلق بالإفلات من «واقعية البنية»  دون التنازل عن الموضوعية، «لحظة ضرورية للقطيعة مع التجربة الأولى ولبناء علاقات موضوعية»9، التي هي من وجهة نظره، نقطة قوة البنيوية. هنا تسقط البنيوية تحت ضربة النقد الإبيستيمولوجي الأكثر شيوعا والتي يوجهها بورديو إلى النظريات الاجتماعية النقيص: إنه يخلط بين نموذج الواقع وواقع النموذج: «القصد "البنيوي" بشكل خاص لبناء علاقات تأسيسية لنسق الممارسات والموضوعات الطقوسية مثل "نسق الاختلافات"، حين نكد لإتمامه حتى أبعد حد، ويكون له كأثر مفارق تقويض الطموح الذي يوجد مورَّطا فيه: إيجاد دليل على سريان مفعول هذا النوع من التأويل الذاتي لما هو حقيقي داخل تماسك ونسقية تأويل الواقع المؤول»10، فبنية ليڤي شتروس المشيأة من دون حق، والممنطقة (منطقية شاملة)11، هي حالة نوعية لـ «عالم داخل الآلة».

        وأخيرا، يؤاخذ بورديو على البنيوية أنها أنكرت كل أشكال التحليل بفعل أن علوم الإنسان تتخذ موضوعا لها «ما جرت العادة على تسميته "الذات"، هذا الموضوع الذي له موضوعات».12 ويعتبر كل من ليڤي شتروس وألتوسير مذنبين لأنهما قد اختزلا التاريخ إلى مجرد "إجراء من دون ذات" و(أن) يُحلا، ببساطة، "الذات المبدعة" للذاتانية إنسانا مقهورا بالقوانين الميتة لتاريخ الطبيعة. هذه الرؤية الفيضية التي تجعل من البنية رأسمال أو كيفية إنتاج، وكمال أول Entéléchie13 يتطور هو نفسه في إجراء تحقق ذاتي يقلص دور الفاعلين التاريخيين الذين لهم دور "دعامة" (Träger) البنية وأفعالهم إلى مجرد بروز كظاهرة مضافة14 للسلطة التي تنتمي إلى البنية حتى تتطور حسب قوانينها الخاصة، ولتحديد بنيات أخرى بدوافع مختلفة تضافرية»15، ومن جانبه، إذا كان بورديو يرفض كل أشكال فلسفة الذات وهو مقتنع بأن الشخصانية هي «الحافز الرئيس لبناء رؤية علمية لما هو إنساني»16، فهي لا تصب في الأنسية المضادة التي تمت مؤاخذة المتمسكين بالبنيوية عليها. ويُفهم من علم اجتماع بورديو أنه يبرئ الفعل، وبالتالي الفاعلية، ويمنح «وسيلة، وربما هي الوحيدة، للمساهمة سوى بوعي التحديدات، في البناء، الذي تم التخلي عنه بصيغة أخرى إلى قوى العالم، لشيء يشبه الفاعل».17

        ومع ذلك، فبالرغم من كل هذه الانتقادات، فإن نظرية المعرفة التي هيأها بورديو هي نظرية البناء التي لا تتردد، كما رأينا، لكي تقدم نفسها كشكل للبنيوية. ولا يفهم هذا الإخلاص إلا من خلال تمسك عالم الاجتماع بـ «كيفية التفكير العلائقي الذي يقطع صلته بالتفكير الجوهري فيقود إلى تخصيص كل عنصر بواسطة العلاقات التي تجمعه بغيره داخل نسق، والتي يستمد منها معناه ووظيفته».18 لقد اقتنع بورديو بأن الواقع الاجتماعي ليس معقولا إلا إذا أدركناه انطلاقا من هذه المنهجية البنيوية، كفضاء علاقات، فضاء هو «مكان لتعايش المواقع الاجتماعية، لعلامات مانعة باتفاق الطرفين (بالتبادل)، والتي تشكل بالنسبة إلى من يشغلونها أصل وجهات نظرهم».19 غير أن الأنثروبولوجيا البنيوية تحتاج، مع ذلك، إلى نظرية الممارسة. فالبنيوية النقدية لبورديو، في الحدود التي تتخذ كمهمة لها تجاوز الفجوة بين نظرية الممارسة، لا يمكنها أن تبقى عند حدود إعادة البناء الموضوعي للمواقع النسبية وللعلاقات الموضوعية بين المواقع. وإذا كان في وقت سابق إعادة بناء الفضاء الاجتماعي بالطريقة التي يمكن أن يعاد بها تصويب فضاء جغرافي في خريطة جغرافية، فسيكون من الضروري كذلك، في وقت لاحق، إيجاد معنى للخبرة التي تملكها الذوات الاجتماعية في هذا الفضاء ثانية.

            إن مدخل مشروع بورديو حول بنيوية بنائية هو أن يجعل من ممارسة الجسد المستشرك مكان مصادفة جدلية بين زمنين، الزمن البنيوي للاستعدادات المدمَجة والزمن البنيوي للأوضاع الاجتماعية. إن أصالة هذه البنيوية النقدية، التي تبذل جهدا للتفكير في وضع الفعل والبنية في علاقة انطلاقا من نموذج «بنية -هابيتوس -ممارسة»، لا يكمن فقط في أنه يجعل البنيات المجردة والتزامنية لليڤي شتروس في السياق ويؤرخنها، بل إنه يكمن أيضا، وبالخصوص، في أنه يجعل من جسد الاعتيادية نقطة التقاء هذا التركيب المزدوج. فأن يُفرضَ على البنيوية نقطة اجتياح كهذه يعود إلى أنه يعزو إليها إعادة رد تجربة الفاعلين المموضَعين داخل فضاء هو لهم، والذين يمتلكونه كل بطريقته بما أنهم يعيشون فيه داخل وضعيات مغايرة. ومنذ ذلك الحين، فإن الممارسة لا يمكن فهمها كما لو أنها أحادية المنطق وأحادية الاشتغال، إن معناها ينبغي أن يتصل بمواقع الفاعلين الذين ترهنهم.

       يمكن لمقاربة كهذه أن تبدو ذاتانية بالنسبة إلى صحة الرأي البنيوي، فهي لا تؤكد بأقل من ذلك موضوعية بنيات العالم الاجتماعي. فالهابيتوس يستبق المواقع المعطاة سلفا، وبمعنى ما، فهو مكره على أن يشغلها. ولكن ينبغي أن نفهم أن هذا الإكراه الاجتماعي، البعيد كل البعد من أن يدل على فرض معايير خارجية، فإنه متضامن مع إمكانية وجود نوعية، ومع اندماج نشيط يستند إلى السلطة الإبداعية  لتعميم الجسد الخاص. ولكي نقول ذلك بعبارة أخرى، الجسد الاجتماعي ليس فقط ملقى في موقع ما، بل إنه منذور إلى تجسيده، وللتكيف معه، وللدفاع عنه، ثم في بعض الوضعيات، إلى إعادة ابتكاره.
هوامش بنيوية:
1-Choses dites, coll. « Le sens commun », Éd. de Minuit, Paris, 1987,  p.147.
2-Ibid-  P, 147.
3-Esquisse d’une théorie de la pratique. Précédé de : Trois études d’ethnologies Kabyle (1972), coll. « Points Essais », Éd. du Seuil, Paris, 2000, p. 304.
4-Le Sens pratique, coll. « Le sens commun », Éd. de Minuit, Paris, 1980- P, 92.
5-Ibid- P. 55.
6- Ibid- P, 68-69.
7-Méditations Pascaliennes, coll. « Liber », Éd. du Seuil, Paris, 1997- P, 238.
8- Le Sens pratique, ibid, p. 69.
9-Ibid-  P, 87.
10-Ibid-  P, 347.
11-Panlogisme : منطقية شاملة، اسم أطلقه "إدرمان" على مذهب هيغل القائل بأن الوجود الواقعي منطقي، وإنه مستمد من الذهن والجدل العقلي.(المترجمة- الكبير الشامل ص 885).

12-Méditations Pascaliennes, ibid, p.155.
Entéléchie -13: كمال أول، مصطلح أرسطي يراد به الآتي:
أ-ما تم في مقابل ما لم يتم والكمال الذي يتحقق بهذا التمام.
ب-الصورة و اللوغوس الذي يخرج ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل، ويطلق على النفس فيقال هي كمال الجسم. (المترجمة- المرجع: الكامل الكبير، ص 411)
14- Le Sens pratique, ibid, p. 70.
15-Epiphénominisme : نظرية الظواهر المضافة، مذهب قائل بان العمليات العقلية هي ظواهر مصاحبة للعمليات الدماغية دون أن تؤثر فيها. (المترجمة- المنهل ص 401).
16-أنَسيّة، يحيل على ما يلي:
أ- أدب إنساني، آداب إنسانية. دراسة الآداب القديمة.
ب- فلسفة إنسانية، مجموع الأفكار والاتجاهات والقيم التي تكون نظرية قادرة على تحقيق خلاص الإنسان بوسائله الخاصة، وكثيرا ما ترفض الإيمان بأية قوة خارقة للطبيعة.
ج- حركة إنسانية: إحياء الآداب الكلاسيكية والروح الفردية والنقدية، والتأكيد على الهموم الدنيوية (كما تجلى ذلك في عصر النهضة الأوربية). المترجِمة، الكامل الكبير- ص 598.
17- Le Sens pratique, ibid, p. 41.
18-Ibid- P, 11.
19-Méditations Pascaliennes, ibid, p. 157.

تعليقات