الدراسات الأنثروبولوجية في المغرب من هيمنة النموذج إلى تجريب البدائل
د. الزهرة إبراهيم- باحثة في المسرح والأنثروبولوجيا والديدكتيك- المملكة المغربية
تُفْهَمُ الأنثروبولوجيا، بمعناها الواسع، أَيُّ معرفةٍ بالإنسان الجامع لمناهج مختلفة وأنظمة متنوعة، ستكشف لنا ذات يوم الحوافز الخفية التي تحرك هذا الضيف
الحاضر دون دعوة في كل مناقشاتنا: الفكر البشري. كلود ليفي شتروس
لا تنفك المسألة الأنثروبولوجية في المغرب تثير نقاشا علميا حينا، وإيديولوجيا حينا آخر. فبعد أن عانى هذا العلم، طيلة القرن الماضي- منذ 1912، تاريخ فرض الحماية الفرنسية حتى العقود التي تلت إعلان الاستقلال سنة 1956- من تصنيف قدحي، لارتباطه بمخططات الاستعمار التوسعية بشكل جعل الباحثين المغاربة يَزْوَرُّون عنه تحت تأثيرات وطنية وعاطفية أكثر مما هي موضوعية وعلمية، فقد عرف طريقه إلى النور تحت مظلة العلوم الإنسانية، فأصبح في الوقت ذاته موضوعا ومنهجا للبحث. ومع تقدم الإبستيمولوجيا في الحقول المعرفية المختلفة، حدثت صحوة أواخر القرن العشرين نبهت عددا منهم إلى إعادة النظر في موقف ينبغي أن يتغير حيال هذا العلم بما سيقدمه من خدمة لفهم المجتمع المغربي، وتفسير معطياته وتمثلاته بكيفية علمية، ليس إلا، بل سيتحول عند بعض منهم، ممن التزموا بخدمة المشروع الوطني لمغرب الاستقلال، إلى أداة للتغيير الجذري في مجالات السياسة، والدين، والاقتصاد، والاجتماع.
الأنثروبولوجيا في المغرب: أية مداخل شرعية لأية انتظارات مجتمعية؟
نقصد بالدراسات الأنثروبولوجية في المغرب كل ما أنجزه الباحثون الأجانب والمغاربة حول المجتمع والثقافة المغربيين بواسطة المنهج الأنثروبولوجي، وذلك استجابة لمطالب بحثية تجاوزت من حيث طبيعتها التخصصات العلمية الكلاسيكية كالأدب، والفلسفة، والسوسيولوجيا، والبسيكولوجيا. ولعل تداخل عدد من الظواهر المصنَّفة كطابوهات في المجتمع المغربي، من قبيل الثالوث المحرَّم: السياسة، والدين، والجنس- وما يعتمل داخل القبيلة من علاقات قرابية متصارعة أو متواطئة، تعمقها المعتقدات الغيبية حينا، والمصالح المادية والمعنوية المرتبطة بملكية الأرض والإرث ووسائل الإنتاج، حينا آخر- قد سرَّع بفك الحصار عن هذا العلم الذي ظل زمنا طويلا في دائرة الممنوعات، إلى درجة أن الجامعة المغربية لم تبرمجه ضمن شعبها العلمية، وفي هذا اختزال مجحف لهذا العلم، ودَفْعٌ بالطلاب الراغبين في دراسته إلى الهجرة نحو الجامعات الأوربية والأمريكية والكندية، حيث تتوفر الشروط الصحيحة لدراسته والاشتغال به في مشاريع بحثية مختلفة. لقد حصل ولوج الأنثروبولوجيا مجال البحث العلمي بالمغرب من مداخل مراوِغة كالدراسات الأدبية، والتاريخية، والجغرافية، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسية، وحتى العلوم الزراعية والاقتصادية، بوصفها تخصصات كلاسيكية في الجامعة المغربية. وقد اقتضى تجريب مناهج حديثة في البحث العلمي دخول علوم جديدة كالإثنوغرافيا والإثنولوجيا بطريقة خفية كي يساير الباحثون ما يجري في الجامعات الغربية، وحتى يُبَرِّئوا ذممهم تجاه مطالب المرحلة الحضارية. فقد استشعروا، بانتمائهم إلى النخبة الفكرية في البلاد، ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم في تثوير المجتمع معرفيا، والارتقاء به إلى ما كان يطمح إليه المشروع الوطني المحلوم به الذي شكَّل أفق انتظار واعد خلال مرحلة الاستعمار.
أمام تشابك قضايا التنمية، كان ضروريا البحث عن حلول علمية لبناء التقدم على أسس صحيحة. لقد اقتضى الوضع فحص الواقع المجتمعي نهاية خمسينات القرن الماضي، وتحديد مطالبه التي لا تحتمل الانتظار مثل التعليم، والصحة، والسكن، والشغل، وتحديث القضاء، والمساواة بين النوع، ثم تصريف ذلك عبر قنوات قانونية تشرف عليها مؤسسات منتخبة بطريقة ديموقراطية. لكن هذا المشروع فشل وتعثر بالرغم من دخول الدولة في سلسلة مخططات لم تأت أكلها، من جهة أولى، بسبب المصالح السياسية لورثة الاستعمار، والتراجع المبدئي لعدد لا يستهان به من النخبة الوطنية التي لم تصمد في وجه المطامع والمساومات، ومن جهة ثانية، لأن شرائح عريضة من المغاربة لم تكن مهيأة لخوض هذا النقاش المجتمعي بسبب الفقر، والأمية، والبطالة، والظلم، وسيادة الفكر الغيبي، وسوء فهم المعتقد الديني، أو الإِغْراض به لتثبيت سلطة الأنساق التقليدية داخل الأسرة، والقبيلة، وأجهزة السلطة. إنها عوامل ساعدت على توطيد هذه الأنساق ومنحها قدرة على الاستمرار وإعادة إنتاج النموذج الذي أثبت فشله الحضاري، وتجذَّرت بواسطة هيمنته، مشاكل المجتمع المغربي.
جاءت الدراسات السوسيولوجية، على وجه الخصوص، في وقت مبكر، نسبيا، للبحث عن مخرجات المشاكل المستشرية اجتماعيا. وحتى تستجيب إلى هكذا غايات، تفرعت إلى سوسيولوجيا سياسية، وتفرعت البسيكولوجيا، من جهتها، إلى علم النفس الاجتماعي، إلا أن جميع هذه التفريعات انتهت إلى حقل أوسع هو الأنثروبولوجيا، بوصفه علما يختص بمعرفة الإنسان معرفة إجمالية، بدءا من تكوينه الفيزيولوجي حتى منجزه الفكري والمادي والرمزي. ففي هذه التركيبة المتجانسة حينا، والمُتَنَاتِلَة حينا آخر، من حيث قضاياها، يندرج المقدس، بكل أنواعه، والجنس بمختلف علاقاته، والأسطورة بتنوع جذورها، ضمن المواضيع الأكثر إغراء للباحثين في التراث الثقافي المغربي، وقد اختلطت هذه المفاهيم اختلاطا قويا حتى إن عددا من الاحتفالات ، والشعائر السنوية أو الموسمية، تمزج، في تناغم مفارق، ما هو مقدس بما هو مدنَّس، وما هو حقيقي وآنِيٌّ بما هو غابِر وأسطوري. ويبدو الأمر ملتبِسا حين تعتمل كل هذه المعطيات داخل دائرة الدين، التي لا تلبث أن تَتَقعَّرَ منها دوائر مريبة هي مزيج من كل هذه العناصر.
لقد تداخلت الأنثروبولوجيا، إلى عهد قريب، بحقول علمية مجاورة لا سيما حقل السوسيولوجيا، فكثير من الدراسات بدأت فيه لتنتهي إلى حقل الأنثروبولوجيا بصفتها إطاراً أرحبَ تستوعب ما يضيق به غيرها العلوم كالإثنولوجيا، والإثنوغرافيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي ، ذلك أن التفاعل العكسي بين الحركة والمحيط، والذي يشكل الرمز أساسا له، يُبَيِّنُ إلى أي حد يتلقَّى الإنسان ونزاوته تأثيرا أوليا من البيئة المحيطة، ولكنهما يتركان بدورهما تأثيرا ثانويا يُحدِث تعديلات عميقة في المحيط المادي والمؤسسات.
وفي إطار ما حصل إنجازه من بحوث أنثروبولوجية خاصة بالمجتمع المغربي، لا يمكن أن نطلق حكما عاما ومجحفا عليها، ونجزم، جهلا أو تحاملا، بأن هدفها هو خدمة الإمبريالية أو أذنابها. ونقصد بهيمنة النموذج: التزام من يقومون بهذه الدراسات بالكليشيهات الموروثة عن فترة الاستعمار التي عاشها المغرب، سياسيا وعسكريا، ما بين سنتي 1912م و1956م، خصوصا ما يمكننا تصنيفه في خانة البحوث الفلكلورية التي لا ترى في التراث المغربي، من زاوية نظر أجنبية، سوى مظاهره السلبية أو الغريبة التي تثير انتباه الإنسان الغربي، وتُشعرُه، قصورا أو خطأ أو غرورا، بالتميز الحضاري القائم على السبق العلمي والتكنولوجي. ونفكك هذه الهيمنة إلى مستويين:
المستوى الأول: فكري موضوعاتي، يتعلق بطبيعة القضايا التي تستجيب دراستها أكثر لخدمة السلطة السياسية اعتمادا على سلط موازية مساعدة، كما تؤكد ذلك المشاريع الأنثروبولوجية التي اهتمت بدراسة أنساق السلطة، وتبادلاتها مراكز القوة والصراع في المغرب، كالدين، والقبيلة، والمخزن، خلال فترة الاستعمار، ثم أنساق السلطة الاقتصادية في الحواضر والبوادي من خلال طرق الإنتاج الحِرَفِيِّ والزراعي، وما يتصل بهما من مناشط فرعية، وعلاقات اجتماعية تخص الطبقة، والنوع، والمستوى العمري، والحالة الاجتماعية، بالإضافة إلى رصد التقاليد، والأعراف، والطقوس، التي تحضر بالقوة وبالفعل داخل هذه الأنساق. وفي هذا السياق، إذا ما افترضنا عقد مقارنة بين طبيعة السلط المتحكمة في مجتمع خاضع للاستعمار، ثم طبيعة السلط التي يعتمدها هذا الاستعمار نفسه، فلا بد لنا، من الإشارة، هنا، إلى أن المعرفة العلمية التي ينتجها العقل الإنساني، قد تحولت في الغرب الرأسمالي، داخل أوربا وأمريكا، إلى أهداف نفعية لها صلة بديمومة السلطة وتوسيع هيمنتها على الأفراد ، وبالتالي، فمحصَّلات الأنثروبولوجيا، تبعا لهذا التحول، تصب في خدمة جهاز السلطة الاستعمارية وترشيد مشاريعه، وإلا بماذا نفسر تخصيص الحكومة الفرنسية، في فترة ما بين الحربين، جوائز لمثل هذه الأبحاث؟
فعلى المستوى الموضوعاتي، نُنَوِّهُ إلى أنه من بين مظاهر سلطة النموذج استمرارُ البحث في عدد من القضايا، المعتبَرة من صنف "الغريب" L’Exotique، لدى جماعة من الباحثين العرب والمغاربة، بعد الاستقلال، أسوة بنظرائهم الغربيين الذين ركزوا عليها طويلا ولا يزالون. لقد شكلت مظاهر الثقافة الشعبية من خرافات، وسحر، وشعوذة، وعِرافة، وتقاليد قَبَلِيّة، وطقوس الاحتفالات الزواجية أو الجنائزية، وممارسات دينية لصيقة بالزوايا والأضرحة، مثل ما جاء في كتابات الباحثة زكية زَوَانات حول التصوف وغيره من القضايا المتأصلة في المجتمع المغربي، إلخ... مثار بحث ظل يدور في نمط إعادة الإنتاج، ولم يفد ما ينتظر من عائداته كعلم يعول عليه في تفسير الظواهر الثقافية، وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية البشرية على جميع المستويات، إذا ربطنا انتظارات المشروع الفكري بمخططات المشروع الوطني لمغرب ما بعد الاستعمار، وذلك حتى لا تظل الدراسات الأنثروبولوجية المغربية من باب الموضة، أو الترف الفكري، أو الإشهار السياحي الذي يسعى إلى تحويل التراث إلى فولكلور يُعْرَض، ويُباع، لِيُدِرُّ عائدات هامة على النخب الاقتصادية في المجتمع، من غير أن تستفيد الإثنيات أو المناطق الأصلية المحافظة على هذا التراث المادي والرمزي من أبسط حقوق الإنسان، والمواطنة كما هو منصوص عليهما في المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب منذ عقود.
أما ما نقصده بتجريب البدائل، فهو مجموع المشاريع التي حددت منظورها حول هذا العلم على أسس علمية ومنهجية صحيحة، وعلى مبادئ ديموقراطية تصون حق المجموعات البشرية في التمايز الثقافي. المستوى الثاني: منهجي، يحيل إلى مخططات الاشتغال، وسيروراته، وأدواته، وحصصه الزمنية، إذ غالبا ما يلجأ الباحث إلى ملاحظةِ وَسَطِ الدراسة، وتجميع معطيات على شكل بيانات، وجرود، وإحصاءات، وصور، ومقابلات، أو على شكل عناصر مادية (مخطوطات، رسوم، تحف، أواني، قطع أثرية، أزياء إلخ...) لتوفير إمكانات التفسير العلمي لموضوع الدراسة بكيفية مستعجلة تُفْقَدُ فيها العديد من الحلقات المهمة. ويسجل عبد الله حمودي، في مقدمة كتابة "الضحية وأقنعتها" ، ارتباكا منهجيا لدى عدد من الأنثروبولوجيين الغربيين من حيث إنجازهم دراسات مبتسرة يعوزها شرط الملاحظة بالمشاركة الطويلة الأمد التي تنأى بالعمل المنجَز عن غموض الملاحظات، وعدم دقتها، مما يجعل خلاصات البحث سطحية، أو خاطئة، أو متسرعة. وسواء تعلق الأمر بموضوع البحث أو منهجه، فإن استعادة علاقة امتثالية للنموذج السابق يطرح العديد من الأسئلة حول جدوى هذه الدراسات الأنثروبولوجية لحل معضلات هيكلية تعيق التطور الحقيقي.
وحيث جرى توظيف الأنثروبولوجيا بشكل براغماتي لتيسير سبل التحكم في شعوب مستعمرات الجنوب، فإنه، علاوة على تحقيق أهداف نفعية مادية تتمثل في الاستحواذ على الموارد الطبيعية للمستعمرات، فإن أهدافا رمزية بعيدة الأثر قد حصلت. فقد ضاعف الساسة وأصحاب الرأسمال تشجيع الأنثروبولوجيين على توفير أكبر كَمٍّ من المعلومات حول السكان الأصليين les indigènes. وقد ساهم هذا الحراك العلمي في تشكيل الصورة الإيديولوجية التي بناها كل منهما عن الآخر، والتي لا زالت مستمرة حتى الوقت الراهن. فالإنسان الغربي رسم، في بداية اتصاله بسكان المستعمرات صورة المتوحش الطيب ، وصاغ في ضوئها أطروحة الإنسان البدائي السعيد الذي لا همَّ له سوى رغد العيش داخل طبيعته البكر المعطاء، لكنها سرعان ما ستتحول إلى أطروحة الإنسان البدائي الكسول المكتفي بما تغدقه الأرض عليه، وفي المقابل، تشكلت لدى إنسان المستعمرات تمثلات خاصة عن الأوربي مالك التقدم الذي لا يفتأ يقدم ثقافته بصفتها نموذجا كونيا شاملا للتقدم والابتعاد عن الوحشية والبربرية. وسواء استسلم لهذا النموذج ورهن نفسه لأجْله بعلاقات امتثالية، كما هو حال الثقافة العربية المتصلة منذ عصور الحداثة بنظيرتها الغربية، حيث تتأكد علاقة المستعمِر القوي بالمستعمَر الضعيف ، وذلك فيما يورده ابن خلدون في كتابه "المقدمة" من حيث إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونِحْلته وسائر أحواله وعوائده. أم، خلافا لذلك، رفضه وقراره عدم التعامل معه، كما حدث في هند المهاتما غاندي حين قاطع سلميا كل ما له علاقة بالإمبريالية البريطانية.
فحين نتتبع أبحاث الأنثروبولوجيا الثقافية الخاصة بالمجتمع المغربي في مرحلتي الاستعمار والاستقلال، سواء تلك التي أنجزها باحثون أجانب غربيون وعرب، أو تلك التي انخرط فيها مهتمون مغاربة بقضايا الفلسفة، وعلم الاجتماع وعلم النفس، وعلم الاقتصاد، وكذا العلوم السياسية، ونحاول، من خلال مدخلاتها input ومخرجاتها output، معرفةَ طبيعة اشتغالات هذا العلم على موروثنا الثقافي المادي والرمزي، وتقويم نتائج هذا الاشتغال، فإن ثمة أسئلة جادة تستوقفنا من قبيل: هل الثقافة المغربية تملك بنية وواحدة أم بنيات متعددة؟ وهل تغيرت هذه البنية الثقافية بتغير الشرط السياسي والتاريخي (استعمار/استقلال)؟ وكيف ساهم تطور الشرط الحضاري العالمي في خلخلة تمثلات الإنسان المغربي لعناصر البنية الثقافية التي ينتمي إليها اجتماعيا؟ وكيف يمكنه التكيف ثقافيا داخل ما يسميه نيلاس لومانNiklas Luhmann نظرية الأنساق المفتوحة الخاصة بمجتمع يَحْكُمُ عليه- موقعه الجغرافي، وعلاقاته التاريخية بالمستعمر، وانفتاحه الواسع على العالم الافتراضي المَشِيد بتكنولوجيا الإعلام والاتصال- بتعدد لغاته، واختلاف بنياته الثقافية، حيث تتزامن أكثرها بأقلها تطورا. وإلى أي حد استفادت هذه الدراسات الأنثروبولوجية من منهج نظرية الأنساق التي تأسست على علم الاجتماع الكلاسيكي كما تناولته وطورته كتابات ماكس فيبرMax Weber ، وكارل ماركسCarl Marx ، وجيورج زميلGeorg Simmel ، وإيميل دوركهايمEmile Durkheim ؟
يتبدى وجه آخر للبحث الأنثروبولوجي سواء عند الغربيين أو المغاربة، وهو التركيز بشكل ملفت للنظر على موضوع الفولكلور، ونفسر هذا بالارتجاج الذي عاشه الإنسان الأوربي أمام كلمات سحرية وغامضة من قبيل: "البدائي"، و"البعيد"، و"الغريب"، و" الشرق" و"الآخر". ولعل كلمة "بدائي" التي أساء استعمالها أحيانا، وهو يكتشف أنساقا ثقافية مغايرة لنسقه، لم ينتبه، نتيجة أسباب مختلفة، إلى أن هذه الأنساق معترف بها في "نظرية القوس الثقافية" التي صاغتها الباحثة الأنثروبولوجية الأمريكية روث بنديكث Ruth Benedict في مؤلفها Patterns of culture، الصادر سنة 1934 ردا على طروحات رادكليف براونRadcliffe Brown ، وبرونيسلاڤ مالينوڤسكيBronislaw Malinowski ، والتي مؤداها أن «كل مجتمع لا يستعمل إلا جزءا محددا من القوس الكبيرة الذي باستطاعته استعمالَها» بناءً على اختياراته الثقافية، لتَنْقُضَ الباحثة، بذلك، مفهوم الطبقة، أو التماهي، أو التوازي في مسيرة كل مجتمع. فاختيار خطٍّ ضمن القوس الثقافية ينسف فكرة السُّلَّم الحضاري الذي ما فتئ الغرب يرهن إليه قياسات ومراتب غيره من المجتمعات، بينما توجهنا معطيات الواقع والتجربة إلى أنه «في الثقافة يتعين علينا أن نتخيل قوسا أعظم اصطفت عليه المهام المحتملة، الناجمة سواء عن دورة العمر أو البيئة البشرية أو الأنشطة المختلفة للإنسان» . لقد شكلت عناصر الفولكلور - المتمثلة في الأساطير، والخرافات، والقصص الشعبية، والنكات، والأمثال، والحزازير، والترانيم، والتعاويذ، والتبريكات، واللعنات، والشتائم، والأَيْمان، والمُقاهَرة، والمُعايَرة، وعبارات التحية والوداع، والملابس الشعبية، والرقص الشعبي(...) والتشابيه، والاستعارات، والكنايات إلخ... - حقلا خصبا ومغريا لهذا النوع من الدراسات نذكر منها، مثلا، مواضيع مثيرة تناولها ألفريد ميتروAlfred Métraux في دراسته لـ "جزيرة الفِصْح" حول كيفية العيش، والحِرَفِيُّون، والمحاربون، (...) وحرب الآذان الكبيرة والآذان الصغيرة، وأصل الوشم... فكيف نصنف هذه الدراسات انطلاقا من توجُّهين أنثروبولوجيين متناقضين وفق ما يستجيب لمطالب دراستنا؟
1. الأنثروبولوجيا الكلاسيكية خديمة المد الإمبريالي
نريد في هذا الإطار التنويه، بداية، إلى نوع من اللَّبْس الذي طال مفهوم "البدائي" le primitif بشكل لم يَفْصِلْ فيه الباحثون الغربيون بين خصيصيات المجموعات البدائية، وغيرها من المجموعات التي تتقاطع معها حينا، وتختلف معها حينا آخر، ذلك أن مجموع الثقافات البشرية، بالرغم من اختلافها وتفاوتها، لا بد أن تلتقي فيما نسميه "متعاليا ثقافيا" Transcendant culturel. فالثقافات المسماة بدائية تتميز بالسمات التالية: 1- الاعتماد على جمع الطعام والصيد، 2- التكتل في معاشر ومجموعات تمتاز بصغر حجمها وكثافتها، 3- الأمية (الجهل بالقراءة والكتابة)، 4- تشابه خبرات الأفراد بحيث يختار الفرد مهنة يمر بها معظم أفراد المجتمع، 5- توفر الشعور القوي بتماسك الجماعة وتضامنها تضامنا عضويا دمويا، 6- ضآلة المعرفة العلمية واختفاء التفكير المنهجي وسيادة الفكر الخرافي، 7- سيادة التجانس واختفاء تقسيم العمل إلا فيما يتعلق بالعمر والنوع (الذكر/الأنثى)، 8- الاكتفاء الذاتي وما يترتب عنه من ضعف الحافز الاقتصادي، 9- عمليات العُرْف الاجتماعي تحكمها العرف والتقاليد. وفي المقابل تتحدد ملامح الثقافات المُصَنَّفَة غير بدائية ، على النحو التالي: 1- الاعتماد على الرعي والزراعة والصناعة، 2- التكتل في قرى زراعية ومدن تمتاز بضخامة حجم الجماعات البشرية فيها، 3- معرفة القراءة والكتابة واستخدامهما أساسا في المعاملات، 4- اختلاف خبرات الأفراد وأدوارهم ومراكزهم في المجتمع بحيث يختار الفرد أدوارا أو مراكز أو وظائف قد لا يشاركه فيها عديد من أفراد المجتمع الآخرين، 5- ضعف الشعور بالتماسك والتضامن بين أفراد المجتمع، 6- الاعتماد على المعرفة العلمية والتفكير المنهجي وازدهار التكنولوجيا القائمة على العلم، 7- سيادة التخصص وتقسيم العمل على أساس الخبرة والتخصص، 8- الاعتماد على المؤسسات الاقتصادية لإشباع الحاجات الأساسية والكمالية لتنوعها، 9- الضبط الاجتماعي على المبادئ الدينية أو القوانين الرسمية في المجتمع.
في ضوء هذا التمييز بين الثقافتين البدائية وغير البدائية، تحولت جهود الأنثروبولوجيين الفرنسيين والإسبان في المغرب خلال فترة الاستعمار إلى الاشتغال على المناطق الوعرة أو البعيدة كما على المدن الكبرى، والمراكز الاقتصادية النشيطة. وقد بدا اهتمامهم كبيرا بمناطق الجبال، والواحات، والأرياف القصية، والصحاري التي كانوا يجدون فيها شيئا من سمات البدائية كجهل السكان الأصليين بالقراءة والكتابة، لكنهم كانوا لا يعتبرون عددا آخر من السمات التي لا تنطبق عليهم كبدائيين من قبيل الاعتماد في عيشهم على جمع الطعام والصيد. ونشير في هذا السياق، على سبيل العد لا الحصر، إلى دراسة للدكتور ألبير بون Albert Pons حول النظام الغذائي في منطقة فِجِيج ، وهي إحدى واحات الجنوب الشرقي بالمغرب. لقد خولت له مهنته كطبيب أن يتعرف عن قرب على تفاصيل الحياة اليومية لساكنتها من بَدْو رُحَّل، ومِنْ حَضَر يتكونون من مسلمين وإسرائيليين، لكل منهم نظامه الغذائي الخاص. وبالرغم من وجود هذه الواحة في منطقة قصية بالنسبة إلى حواضر المغرب الكبرى كالدار البيضاء والرباط ومراكش...، إلا أن بحوث أنثروبولوجيين آخرين لم تترك جانبا لم تحطه بالدراسة والبحث. ونرجِّح هذا الاهتمام إلى وجود هذه البلدة في نقطة حدودية بين المغرب والجزائر، وما قد تشكله مثل هاته المواقع من أهمية استراتيجية للمستعمر لمراقبة المشركات البشرية، والتحكم فيها. يتجلى في هذه المتابعة العلمية والميدانية الجادة - باعتبارها فقط نموذجا لما حصل إنجازه من دراسات أنثروبولوجية حول جميع مناطق المغرب- حرص كبير لمعرفة مستغلقات ثقافة البلد المستعمَر ليَسْهل التحكم فيه، وإخضاعه لنزوعات الثقافة البيضاء الاحتوائية التي ساهم عدد كبير من علمائها، وفلاسفتها في دعم توجهاتها المؤمنة بتميز الإنسان الأوربي، وبأحقيته في سيادة العالم دون غيره من الشعوب. إنه النمط الذي قدمه مفكرون مثل ماركس مولر، ورينان، وتشارلس تاميل، ودارون، وبنجامن كيد، وإمر دو فاتيل. وجميع هؤلاء طوروا وأبرزوا المواقف الجوهرانية في الثقافة الأوربية معلنين أن الأوربيين ينبغي أن يَحْكُموا، وعلى غير الأوربيين أن يُحْكَموا، ولقد حكم الأوربيون بالفعل. فهذه المواقف لا يمكن الاطمئنان إلى نواياها التوسعية المحكومة وقتها بتعزيز المد الإمبريالي المحتدم بين بريطانيا وفرنسا لامتلاك أكبر عدد من مناطق النفوذ وخيراتها، حتى إن خط سير الحضارة الأوربية قد انحرف عن إيديولوجيا عصر الأنوار التي بشرت بالخير، والرغد العميم، والتفاهم البناء بين الشعوب، باتجاه إيديولوجيا الاستعمار التي حركت مشاريع توسع حثيث باتجاه القارات وجزر المحيطات. وتبدو الأنثروبولوجيا، من هذا المنظور، علما مشبوها، ودراسة متورطة في المخططات الاستعمارية حين اختلطت في حقل علم الإنسان "الأنثروبولوجيا" الوليد كل من الداروينية، والمسيحية، والمنفعية، والمثالية، والنظرية العرقية، والتاريخ القانوني، واللغويات، وموروثات الحكايات الشعبية للرحالة البواسل في تمازجات وتركيبات محيِّرة ومذهلة، بيد أن أيا منها لم يتردد أو يَهِنْ لحظة واحدة، حين آل الأمر إلى تأكيد وتثبيت القيم التي لا تُضَاهَى للحضارة البيضاء.
2. الأنثروبولوجيا الثورية أو المستقبلية: التي تزعمتها المدرسة الانتشارية الأمريكية القائلة بالمساواة بين البشر، وبالتفاوت بين الثقافات من غير مُرَكَّب عَظَمة أو نَقْص، وتعزو نمو المجتمعات إلى الاحتكاك الثقافي فيما بينها، لا إلى الثقة بعبقرية الإنسان وقدرته على التقدم الدائم عن طريق الاختراعات، كما تذهب إلى ذلك المدرسة التطورية. فالمثاقفة، في منظور الانتشاريين، لا تعني هيمنة نموذج الإنسان الأوربي على غيره من النماذج الثقافية المتنوعة عبر المستعمرات. وقد سعت بعدها الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية نحو الانتصار للثقافات الصغيرة، ونادت بإقرار حقها في البقاء والاعتبار. وترجمت هذا الموقف من خلال إحداث قطيعة بين الأنثروبولوجيا كعلم خالص وبين الاستعمار كإيديولوجية تستبيح كل الوسائل الفعالة لتحقيق مخططاتها للتوسع والهيمنة .
3. الدراسات الأنثروبوجية المغربية: نماذج وتصنيفات
حاولنا في هذا الاختيار أن نستحضر بوابات مختلفة سلكها الباحثون المغاربة للوصول إلى الحقل الأنثروبولوجي، وهي تراوح وجودها بين مجالات شتى للعلوم الإنسانية كالدراسات الأدبية، والإسلامية، والسوسيولوجية، والعلوم الزراعية، والعلوم السياسية لتلتقي عند مصب بحر هذا العلم الذي تتدفق فيه جميع روافد المعرفة البشرية. وهذه النماذج هي كما الآتي:
1-امتدادات الأنثروبولوجيا في الدراسات السوسيولوجية لفاطمة المرنيسي: من الدارسين من يصنف كتاباتها في خانة علم الاجتماع ، وذلك بحكم تخصصها الأكاديمي، واشتغالها بتدريسه في جامعة محمد الخامس بالرباط، وما ارتبط بذلك من أنشطة ومشاركات في الحلقات العلمية والمؤسسات الدولية المهتمة بقضايا المرأة والطفل. لكن منهم من يوسع دائرة اشتغالها فيلحقها بعمل الأنثروبولوجيين الذي يهتم في جزء منه بالقضايا العملية في مجالات الصحة والإدارة والتنمية الاقتصادية ومجالات الحياة الأخرى، لأن هذا العلم في جوهره يهتم بدراسة الإنسان من الناحيتين الفزيولوجية والثقافية، ومعنى هذا أن جميع الشروط والمعطيات، ذات الصلة بما هو فيزيقي، وما هو ثقافي خاص بالكائن البشري، مطلوب جردها وملاحظتها وتفسيرها، وأحيانا، يمتد جهد الباحثين إلى تقديم حلول، واقتراح بدائل حين يتعلق الأمر بمشاكل أو أزمات يكون مَخْرَجُها الحقيقي في نتائج البحث العلمي. لقد اختارت عالمة الاجتماع النبش في الزوايا المريبة في الثقافة المغربية، تلك التي تدخل في دائرة المسكوت عنه، لأنها بذلك قد تخلخل أنساق السلطة التقليدية التي تُحكم قبضتها على المجتمع. من تم، انصبت جهودها على مشكلة النوع في المجتمع المغربي خصوصا في البادية. وهذا ما يوسع دائرة اشتغالها من حقل السوسيولوجيا إلى حقل الأنثروبولوجيا، خصوصا في مثل هذه المشاريع التي يلتبس فيها الحقل الأول بالثاني. وتعكس عناوين مؤلفاتها: -"نساء الغرب"، و"الحريم السياسي، النبي والنساء"، و"السلطانات المنسيات، نساء رئيسات دولة في الإسلام" و"أحلام النساء الحريم"، و"حكايات طفولة في الحريم"، و"شهرزاد ليست مغربية"، و"شهرزاد ترحل إلى الغرب" و"هل أنتم محصَّنوُن ضد الحريم" و"ما وراء الحجاب" و"الجنس كهندسة اجتماعية" و"نساء على أجنحة الحلم" و"الحب في البلاد الإسلامية"- هذا التداخل الوثيق بحيث يصعب أن نصنفها كعالمة اجتماع فقط.
ويعتبر كتابها "نساء الغرب" الذي هو عبارة عن دراسة أكاديمية، علمية وميدانية تقوم على التزام سياسي بواقع التبادلات الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الغرب المغربية، وما يفرز من ظواهر، وقضايا، وتمثلات، ومشاكل تعرقل التنمية الحقيقية للنوع الاجتماعي المستسلم لاستغلال الرأسمال الفلاحي، من جهة، وللسلطة الذكورية، من جهة أخرى.
تتناول الباحثة واقع الفلاحات المغربيات اللواتي يشتغلن كأجيرات يستنزف الرأسمال الوحشي طاقاتهن الجسدية والنفسية، وذلك بسبب وضعيتهن الهشة جراء الفقر، والأمية، والطلاق، وأعراف الأسرة التقليدية التي يتحكم الذكر بزمامها، إذ له الحق في تعدد الزوجات، والاستفادة من الإرث مقابل حرمان الأنثى، وإخضاعها إلى رقابة الأسرة اقتصاديا واجتماعيا، وذلك في غياب قانون منصف لحماية المرأة والطفل بالرغم من تجدد الشروط الاقتصادية لفترة ما بعد الاستقلال، وما تقتضيه مبدئيا من انتقال نحو مجتمع العدالة، والكرامة، والمساواة. فمن الظواهر الثقافية التي يلتقطها البحث إشكالية دونية المرأة كانعكاس طبقي انطلاقا من خطاب الجنسين حول التنمية، ثم الجنس وصراع الطبقات في المجتمع العربي الإسلامي. وعبر استعراضها التاريخي هذه القضية يتكشف وجه ثقافي في علاقة المجتمع الذكوري بالمرأة، لا سيما الْمَشْرَكَات القروية حيث لا زال الأب، أو الزوج، أو الأخ، أو ولي الأمر (جد- عم- خال- زوج أم- زوج أخت...) يُمْعِنون في الاستفادة من العلاقات الأسرية أو القرابية لاستغلالها في العمل غير المأجور، وما ينتجه هذا الفعل من تمثلات لا تفتأ تنظر إلى جسد المرأة "كعورة"، وما يقتضيه ذلك من تسييج للمجال الاجتماعي. فقد تحول هذا المنظور إلى موروث رمزي لصيق بهذا المجتمع، وظل يشكل بنية أساسا من نسقه الاجتماعي والنفسي.
لقد أخضعت فاطمة المرنيسي وضع النساء المشغَّلات في القطاع الفلاحي إلى المساءلة والتحليل والنقاش، ليس فقط منظور اجتماعي واقتصادي، بل تجاوزته باتجاه الشروط السياسية، والدينية، والحقوقية -التي في ظل تداخلها واستفادة بعضها من بعض فيما يخدم بقاء واستمرار السلط التقليدية في المجتمع- لكي يحصل التفكير العملي في الارتقاء بوضع هؤلاء النساء والأطفال في مجتمع يفترض أن يكون حداثيا. إن الحديث عن المرأة الفلاحة في منطقة الغرب يكشف تعاملا آخر معها كجسد ينبغي ترويضه على العمل والإنتاج، وهذا يفتح الباب واسعا على مشروع مارسيل موس Marcel Mauss الذي درس تنوع تقنيات الجسد البشري حسب الجنس والسن، وتطويعها لممارسة أنواع من العمل، وترتيب هذه التقنيات حسب مردوديتها، ثم نقل هذه التقنيات بين الأجيال أو الأفراد كخبرات وتجارب يعاد إنتاجها. ولأن الباحثة، بعينها الناقدة، على وعي بالبدائل الحقيقية لواقع هؤلاء النساء، اقترحت توصيات من أجل تخطيط يضمن تفتح الشخصية النسوية في المجتمعات الإسلامية المستعمَرة اقتصاديا، وتحقيق ذاتها على المستوى الاقتصادي، والثقافي، والحقوقي.
أما كتابها "الحب في البلاد الإسلامية" الذي نشرته في ثمانينيات القرن الماضي، ، لم يكن من السهل، سواء في المغرب أو في غيره من الدول العربية، تناول قضايا مماثلة من لدن باحثة عربية مسلمة، وقتها كانت أصداء كتابات نوال السعداوي حول المرأة، وطابوهات الجنس والسلطة في المجتمعات الإسلامية التي تمارس، تحت مظلة الإسلام، سلوكات لا تناقض روح هذا الدين الذي يمعن المجتمع: حُكّاما ورعايا، في الإقرار به وترسيخه والدفاع عنه، فحسب، بل تسعى جاهدة، بواسطة الخطوط الحمراء التي حوَّطت بها مجموعة من القضايا - كالحب، والجنس، وجسد المرأة، والحجاب، وسلطة الدين وأحكامه المثيرة للجدل فيما يخص الإرث، وتعدد الزوجات، وسلطة الحاكم، وسلطة الذكر إلخ...- إلى تشكيل صورة مراوغة وكاذبة لحقيقة ما يعتمل بين الأفراد والجماعات. في هذا المناخ الحاد، عرف كتاب فاطمة المرنيسي طريقه إلى النور ليميط اللثام، بالنظر العقلي الموضوعي، والقراءة المُعْتَدَّة بأدواتها، عن قضايا شائكة تقبع في للاوعي الجمعي للمجتمع.
تنطلق في دراستها من سؤال جوهري عن الحب، وعن أحقية ارتباطه بالمراهقين فقط، أم أنه حقيقة وحق لجميع الأعمار، والطبقات، والأنواع؟ ولدحض خطاب الطابو الإسلامي حول الحب، تحفر في المعجم العربي للحب، لتضع بين يدي القارئ سجلا لغويا لا يضاهى. فهو موسوم بالغنى، ورهافة الحس، وتطور الانفعالات، وذكاء العواطف بكيفية دقيقة لم يرق إليها أيٌّ من معاجم اللغات الأخرى المنتمية إلى أقوام وحضارات لم تحاصر الحب وتُحَرِّمْهُ كما حرمته الثقافة العربية الإسلامية، خصوصا في مراحل انكفائها. فسيادة منطق المنع والتحريم سمة العصور المظلمة التي يُخاف فيها من تَحَرُّر المشاعر والأفكار، وما يستتبع من قدرة على نقد الأوضاع والرغبة في قلبها. ولطالما استثمرت السلط المتحكمة سياسة الفيتو ضد الحب الذي يحيا بالقوة وبالفعل، في جميع صوره السويَّة والمفارقة، العذرية والشهوية التي تصل إلى زنا المحارم والعلاقات المثلية.
يحتفي كتاب "الحب في البلاد الإسلامية" بِسِجِلٍّ باذخ لهذه العاطفة الإنسانية العظيمة التي خص الله بها البشر دون غيرهم من الكائنات. فيستعرض، من أسماء المحبة ، ما ذكره ابن القيم الجوزية، أحد علماء دمشق في القرن الرابع عشر الميلادي، في كتابه "روضة المحبين"، بدءا من المَحَبَّة، وانتهاء بالتَّعَبُّدُ.
تستنطق الباحثة عددا من نصوص الثقافة العالمة التي تعترف بها المؤسسة الرسمية في البلاد العربية الإسلامية من بغداد حتى قرطبة، لتُوَسِّع دائرة أسئلتها حول تجليات الحب، وتحققاته، ومقاصده. إن عددا من النصوص يقدم الحب كتراث مادي شبقي sensuel لا وجود له خارج الجسد، وآخر رمزي مثالي idéal يختص بالروح ويسكن الوجدان. فللحب علاماته، وإشاراته، وأسماؤه، وتاريخه الحافل بمنجز توزع على طرفي نقيض بين مفهوميه العذريamour courtois ، والنَّزَوِيِّ amour viril . تبوح عوالم الحب في بغداد هارون الرشيد، وقرطبة ابن حزم بصنوف متحررة، وراقية، وشفافة للحب، من "غلاميات" أبي نواس، إلى "طوق الحمامة"، وانتهاء إلى فن الحب عند أئمة المتصوفة عبر حالاته، ومراقيه، ودرجاته.
تنوِّه فاطمة المرنيسي إلى موقف ابن حزم في ما يشيع بين الناس حول خطورة الحب من أول نظرة le premier regard كاحتمال آخر للغواية التي تتسرب إلى دهاليزه وتُعَبِّد طُرُقَ الوصال المستعملة فيه: بدءا من النظرة المجردة، إلى المواعدة التي قد تنتهي بالمرأة إلى شرك سمسارات الجنس (القوّاَدات (les entremetteuses. اللواتي يعشن، دون حرج، داخل المجتمع الإسلامي منذ فجر تاريخه وحتى الأزل.
يشكل موضوع الحب، منذ القديم، جزءا من تراثنا الثقافي المغربي. فهو لا يحيا داخل النسق النفسي والاجتماعي لمن يتبادلونه سرا أو علانية، حلالا أو حراما، معطى مجردا أو رمزيا، فحسب، بل يخلق حوله كونا من الممارسات الحسية، ويستدعي عددا من المنتجات المادية. ولعل هذا ما أثار مسألة الحديث عن
الجمال بوصفه موضوع رغبة لا يُسْتَثْنَى منه أحد.
2- البحث الأنثروبولوجي ومساءلة أنساق السلطة عند عبد الله حمودي
يُعَدُّ رائد البحث الأنثروبولوجي بالمغرب. لقد انطلق من مهمته التدريس بمعهد الحسن الثاني للبحث الزراعي والبيطرة لِيَعْبُرَ من أبحاثه الميدانية في المجال الفلاحي باتجاه العوالم الاجتماعية والثقافية لساكنة الأرياف، والجبال، والمناطق القروية البعيدة في الصحراء. فقد اهتم بمواضيع من قبيل تدبير السقي بالواحات، والسكن والمعمار بقصورها، والزوايا، والحركة المهدوية، والنسق السياسي، كما في كتابه "الحداثة والهوية: سياسة الخطاب والحكم المعرفي حول اللغة والدين"، و"الشيخ والمريد: النسق الثقافي في المجتمعات العربية الحديثة".
فكتابه "الشيخ والمريد" ينطلق من المفهوم الصوفي الذي مؤداه أن دور الشيخ في المجال الروحي هو مساعدة المريد على سلوك طريق وعر جدا . إنه مساءلة جريئة لأنماط السلطة المتحكمة في المجتمع المغربي الذي يعيش هويتين متناقضتين: هوية ماضوية لم تقطع بعد حبلها السُّرِّيَّ الذي يربطها بالنموذج التقليدي، ومختلف بنياته العتيقة المتغلغلة في جميع الأنساق، وهو النموذج الذي ساد منذ بداية تأسيس الدولة المغربية على يد الأدارسة، حيث قامت العلاقة بين الحاكم والرعية على الولاء والبيعة، وبين نموذج حداثي يقتضي من نظام الحكم أن يُبْنَى على أسس مغايرة تماما. وتمثل الفترة ما بين 1965 و1975 ما يسميه الباحث بـ "العهد الكلاسيكي" الذي تم خلاله الارتكاز في مجال العلاقات السياسية على منطق يحاكي منطق العلاقة بين الشيخ والمريد، وهي العلاقة التي في ظلها أصبح العرف أقوى من مناهج العرفان. ويَخْلُصُ، بعد استعراضه تاريخ هذه التركيبة التي تعود إلى القرن الخامس عشر، إلى أنه قد أُعِيدَ بناؤها، مرارا، بشكل جديد في التاريخ الحديث، وإبان الحماية، وبعد الاستقلال. ومن نتائج هذه الاستعادة المدروسة أن يأتي كل عمل أو تقرير، يخص المجالات المعرفية، أو النقاشات الفكرية الدائرة حول قضايا المجتمع المغربي، خاضعا لخط العلاقة بين الشيخ والمريد التي سيطرت، خصوصا، على منهج المعرفة وعلى الأساليب في العلاقات السياسية على مستوى الأحزاب والنقابات. لقد أعيد بناء تَمَرْكُز الْبَرَكَةِ بمعناه الجديد، وهو تَمَرْكُزُ السلطة الاقتصادية في يد نخب معروفة، وأعيد بناء طقوس الولاء والولاية، والحاصل أن وضعا كهذا يرسِّخ قيم الولاء، والزبونية، والخنوع بشكل لافت في المجتمع المغربي المعاصر، كما لو أن الأمر يتعلق بشبه غياب لفكرة الدولة .
أما مؤَلَّفه "الضحية وأقنعتها، بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب " فقد حصل تأليفه صدفة، لأن غرضه من الدراسة الميدانية لبعض قرى جبال الأطلس الكبير كان موجَّها نحو مشاكل الفلاحة واستغلال الأرض. إلا أن مقاسمته هؤلاء الفلاحين معيشهم اليومي بمناسباته وطقوسه، كان فرصة لدراسة موروثات احتفالية لصيقة بعيد الأضحى المبارك، تكون مناسبة لتمثيل مشاهد مسرحية وطيدة الصلة بالمجتمع الزراعي والرعوي الذي يعي كل مجريات الحياة المجتمعية المغربية لا سيما شقها السياسي، وبالتالي، يسعى إلى تحرير النفوس بالضحك والسخرية ضدا عن معاناة الواقع المزري، وضدا عن طابوهات القبيلة وتقاليدها. إنه نوع من اللعب الاجتماعي، والثقافي، والرمزي، لكنه قد يكون أيضا نوعا من التعبير اللاواعي عن مختلف الضغوط التي تغرق فيها قبائل داخل مناطق لا زالت تعاني من الإهمال. فالذين يمارسون هذه الاحتفالات لهم شعور بأنها وسيلة لإعادة بناء مجتمعهم محليا، بأيديهم وبقدراتهم. وفي كل هذا نزعة إلى صيانة الذات. وهو شعور سياسي وأدبي في نفس الوقت، ولا يمكن الفصل بينهما .
يحضر الالتزام السياسي في المشاريع السوسيولوجية والأنثروبولوجية عند عبد الله حمودي، وفاطمة المرنيسي، لأن هذا الجيل من الباحثين وجد في العلوم الإنسانية مفاتيح مفضية إلى جوهر إشكالات المجتمع المغربي. وتنتمي أعمالهم، على مستوى مبادئها ومخططاتها، إلى ما وسم أنثروبولوجيا سبعينيات القرن الماضي في الغرب من حيث ارتباطها بوضوح وشفافية بأحداث العالم الواقعي مقارنة بالعصور السابقة. فقد ظهرت الحركات الراديكالية على نطاق واسع. وبالمقابل، اتجهت جهود بعض الباحثين المغاربة إلى إنجاز دراسات ميدانية هي عبارة عن جرود وبيانات لتوثيق التراث المغربي سواء ما تعلق بالمواقع الأركيولوجية، أو بالمعمار، أو بالمدن العريقة، خاصة ما يرتبط باتساع وضخامة نسيجها التاريخي الذي يشكل خصوصية في الموروث المادي والرمزي المغربي. إضافة إلى ذلك، تُبرِز مثلُ هذه الأبحاث مهارة الأسلاف في عدد من الحرف التقليدية، والصنائع العريقة في الحضارة المغربية كصناعة الحلي، والفسيفساء، والخزف، والأثاث، والأسلحة، والأسطرلابات، والنسيج، إلخ...
3.الأنثروبولوجيا: مداخل مغايرة لقراءة الموروث المادي والرمزي المغربي في أبحاث الزهرة إبراهيم
أ- نحو أنثروبولوجيا مسرحية لقراءة الفرجات المغربية
يرتبط اهتمامنا الأكاديمي بالمسألة الثقافية المغربية في شقها التراثي بدوافع حضارية، نذكر منها ما يلي:
-أولا، الحفاظ على الخصوصية الثقافية للمغرب بوصفه واحدا من دول الجنوب المستضعفَة في تاريخ الهيمنة الاستعمارية، والحد من تنميط النماذج الثقافية عبر العالم، التي انطلقت مع فلسفات المركزية الغربية خلال المد الإمبريالي للقرنين التاسع عشر والعشرين، وشرَّعت للآلة السياسية والعسكرية حق الانتهاك الثقافي للشعوب المستعمرة، وستجد استمرارا لها مع المد العولمي الذي ينادي تارة بحق الثقافات الصغيرة في الاعتراف، والبقاء، والتطور، وتارة أخرى، يتجاهلها فيقدم نموذجه الثقافي كقدر قاهر ينبغي أن يسود ويطمس ما عداه. فهذا الشعار المزدوج ما فتئ يربك توجهات الباحثين: هل ينقبون لتراثهم عن أواصر شرعية تربطه بالموروث الغربي حتى يطمئن إلى أحقيته في الوجود، أم سيحاول هيكلة أنساقه الثقافية انطلاقا من موروثه الأصلي؟
من بين مظاهر هذا الارتباك، ربط الفرجات المسرحة المغربية، في عدد من الدراسات الغربية والعربية، بمقاييس المسرح الغربي فحكمت عليها بتصنيف تنقيصي. لقد سموها تبعا لذلك: "أشكالا ما قبل مسرحية" أو "مسرحا جنينيا" أو "مسرحا مُجْهَضا"، وهو تقييم يكرِّس فكرة بدائية الأنساق.
-ثانيا، رد الاعتبار إلى تراث المناطق المقصية في المغرب، وحمايته من المحو والزوال، لأن ما لحقها من تهميش وإقصاء بسبب التاريخ السياسي لسنوات الرصاص، ينذر بتدمير مُقَدَّرَاتِها الثقافية الغنية التي شكلت مجالا خصبا للدراسات الأنثروبولوجية خلال مرحلة الاستعمار.
-ثالثا، التحسيس بأهمية الأنثروبولوجيا البيئية في الدراسات الاستشرافية للمحيط الطبيعي للساكنة وحماية موارده من التلوث والندرة، وتوجيه برامج المسؤولين عن تدبير الشأن العام، إلى هذه القضايا الحيوية لأجيال المستقبل عن طريق الفن المسرحي، والانطلاق من هذه المناطق المهمشة بمشاريع رائدةProjets pilotes تصبح بها قاطرة للتنمية المحلية الحقيقية، ونموذجا يحتذى، على الأقل، في المنطقة المغاربية والعربية ذات الخصيصات الشبيهة.
لبناء هذا المشروع، اخترنا أشكالا فرجوية تحيا في الثقافة المغربية منذ عصور بعيدة، وفي مناطق مختلفة. وكانت مداخلنا على الشكل التالي:
الجسد الراقص في الفرجة الحمدوشية بقرية "سيدي علي" التابعة لولاية
مكناس، في الوسط الغربي للمملكة، وهي منطقة سهلية- جبلية .
القناع الكرنفالي في الاحتفال بالمولدي النبوي بـ "قصر المعيز" بواحة فجيج
في الجنوب الشرقي للمغرب، وهي منطقة صحراوية .
الدمية الخارقة "تَاغَنْجَا" ببادية الأطلس المتوسط، وهي منطقة جبلية .
وقد انتهت بنا دراستنا الأنثروبولوجية، والأنثروبولوجية التحليلية للجسد والقناع والدمية - انطلاقا من مقارنة اشتغالات هذه العناصر في المسرح الغربي، وفي ضوء الشعريات التي أطَّرته منذ "فن الشعر" لأرسطو حتى الأنثروبولوجيا المسرحية لأوجينيو باربا، ونبوءات أرطو- إلى الخلاصات التالية:
1-إن اتساع مجالات الأنثروبولوجيا، وتفرُّع اختصاصاتها جغرافيا، ومعرفيا يجعل الباحث المعاصر واعيا أكثر من غيره لأن يدرك شدة تباين الأنماط الثقافية بين التقسيمات الأساسية والفرعية للعرقية البشرية، وأن يساهم بالقدر المطلوب لتأكيد مشروعية التنوع الثقافي بين الشعوب والإثنيات، وبالتالي قبول كل نمط واحترام أنساقه.
2-يعتبر الانتشار الثقافي القائم على التبادلات بين الأنساق حلا معقولا لمجابهة خطر الحروب الثقافية القادمة، والتي بالرغم من نعومتها البادية، تبقى أكثر شراسة من الحربين العالميتين.
3-يصعب على أصحاب الثقافات المحلية أو الصغيرة، في خضم الغزو العولمي الممنهج، ونزوعه الأكيد نحو تنميط الثقافة، أن يكسبوا رهان المثاقفة المتكافئة، وسيعانون عقد نقص حضارية مع النماذج العالمية المهيمنة.
4-أصبح التعامل مع التراث الثقافي قضية حيوية في السياسات المستقبلية، وأصبح من الواجب تحريره، أولا، من التفكير الخرافي الذي يورط الأفراد والجماعات في التخلف والخنوع، وثانيا، الارتقاء به من التوظيف النفعي، وتحويله إلى دينامية علمية وثقافية تحقق التنمية المستدامة، وتحافظ على البيئة لأجيال المستقبل.
5-نستطيع أن نصنف الجسد الراقص في الفرجة الحمدوشية ، والقناع الكرنفالي في فرجة "بَرْكَاشُّو" ، والدمية الخارقة في طقس الاستسقاء بـ "تَاغَنْجَا" ، أشكالا مسرحية تراثية ناضجة لحيازتها عددا من المعايير التي يقاس بها جوهر الفن المسرحي في التجريب المعاصر مثل مفهوم التمسرحThéâtralité ، والعودة إلى منابع المقدسRetour aux sources du sacré ، وتعدد اللغات، وأسلبة الأداء، وطبيعة فضاء العرض، وعلاقة المتفرج بالفرجة.
مدوَّنة القنص بالصقر في أدبيات "روضة السلوان" مقاربة أنثروبولوجية مقارِنة
تمثل هذه الدراسة المحطة الثانية من مشروعنا العلمي. وقد اشتغلنا على جزء من الثقافة العالمة التي أفرزتها النخب العلمية في منطقة قصية من المغرب، وتحديدا في واحة "فِجِيج" التي احتضنت زوايا دينية كانت مهمتها علمية وتعليمية، بعيدا عن البدع والصراعات السياسية.
يتعلق الأمر بقصيدة طَرْدِيَّة للعلاَّمة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الجبار الفجيجي الإدريسي الحسني حول موضوع القنص بالصقر، باعتباره، أولا، عالما مارس القضاء وتدريس أصوله بزاوية والده العلمية، وثانيا، شاعرا حفظ عيون الشعر العربي وتغنى بها، وثالثا، فارسا وَلِعَ بهذه الرياضة وأحكم أدبياتها. وقد جاءت هذه التحفة النظمية التي مطلعها: يلومونني في الصيد والصيد جامعُ *** لأشياء للإنسان فيها منافعُ
في مائتين وأربعة عشر بيتا (214)، وحسب بعض التحقيقات في مائتين وسبعة عشر بيتا (217). ونظرا لقيمتها العلمية والثقافية، قام الفرنسي هنري جاهييهHenri Jahier ، بترجمتها إلى اللغة الفرنسية أواخر خمسينيات القرن الماضي ، وتم نشرها باللغتين العربية والفرنسية في مؤلَّف مشترك بينه وبين نور الدين عبد القادر.
وقد أخرج الدارسان هذه الطردية، بعد تأطيرها تاريخيا، وفهمها، وتفسيرها، ومقارنة عدد من أبياتها بمأثور الشعر العربي، وأفكار من الفلسفة اليونانية واللاتينية، في حلية نَظَمَتْها المحاور التالية:
1- منافع الصيد، 2- القانص، 3- الذكرى، 4- الصقر، 5- الحبارى، 6- التمني بعودة أيام الصغر، 7- العاذل، 8- الحسود، 9- التأسف على الماضي، 10- معاشرة القناص، 11- الرجل النزيه، 12- التضرع إلى الله، 13- فقه الصيد وواجبات القانص، 14- الشاعر في حال اصطياده، 15- مناجاة القارئ.
يتراكب في القصيدة مقدرات رمزية يمتد غناها إلى حقل الشريعة الإسلامية: أصولا وفقها، والجغرافيا الطبيعية والبشرية، والفروسية، وعلم الطيور، والشعر، والحكمة، وجمالية التلقي، وعلم الجمال، وعلم الأخلاق، وحسن العيش... وتنطوي مستوياتها اللغوية على نصوص شتى تحاور بعضها بعضا لتصوغ عملا فنيا ينافس ما كُتِب في باب الطرديات شعرا في اللغتين العربية أو اللاتينية.
تتضمن "روضة السلوان" خارطة طريق في تربية الفرد لحياة اجتماعية صحيحة، ويعتبر التدرب على القنص وممارسته مدرسة للسلوك الأخلاقي الراقي، والتربية الجسدية للقانص اعتراف بالجسد واحتفاء بطاقاته، والتربية الفروسية المقرونة بالصيد بالصقر مطلب ثقافي لا يناله أيا كان، لأنه يقاوم شراستين: شراسة العقل الكامن لدى القانص، وشراسة الغريزة الكامنة لدى الصقر. وعلى جميع هذه المستويات التربوية تتأسس الشخصية على دعامات قوية كالصبر، والشجاعة، والكرم، والثقة بالنفس، والحكمة.
يملك الصقر موقعا اعتباريا في مجموع الثقافة الإنسانية. لذلك يحظى في التراث المغربي بصنوف من التقدير وألوان من العناية لا حد لها، الشيء الذي منح هذه الرياضة طقوسا مَلَكِيَّة لا تحق سوى للمتأصلين فيها، لأنها إرث عريق ووطيد الصلة بالمقدس، ينتقل من السلف إلى الخَلَف. من هنا ركبنا سفرا معجميا بحثا عن أصناف هذا الطائر، ومميزات كل صنف، وعلاقته بسباع الطير الأخرى كالنسور، وما حازته من اعتبار في أساطير الشعوب المختلفة كما حصل عند الفراعنة والهنود الحمر، على سبيل التمثيل، إلى درجة تحولت معها إلى رموز سيادية تزين الأعلام، والشارات، والوثائق المهمة، والنقود، والفضاءات الرسمية، والمواقع التاريخية.
يعد القنص بالصقر رياضة نبيلة ارتبطت بالسلالات الملكية، وكان السؤال ثقافيا حول هذه العلاقة التي تأكدت منذ الماضي ولا تزال. فالشبه بين الملك والصقر هو، كما سميناه: قَدَرُ الهيمنة من عَلٍ. لماذا يعشق ذوو السلطان رياضة القنص بالصقر؟ وماذا عن ملاعبة الملوك؟ وكيف فسر بيير بورديوPierre Bourdieu ، عالِم الاجتماع الفرنسي المعاصر، أسباب إقبال النخب والشرائح الاجتماعية على نوع دون غيره من الرياضات؟ .
يحيا هذا التراث الثقافي في ظل ممارسات معزولة لم تفد رياضة القنص بالصقر في المغرب بشكل علمي وعملي يصب في المطالب الحقيقية للتنمية، خصوصا، في المناطق السهبية والصحراوية التي أصبحت، منذ عدة عقود، محميات خليجية تشهد مواسم سنوية للصيد بالطائر الجارح. وقد تم إنشاء عدد من المشاريع الاقتصادية لمواكبة هذه الرياضة كمحطة "مِيسُورْ" لتربية الحبارى، لكن هذا لا يرقى إلى المطالب الأساس للساكنة بهذه المناطق البعيدة التي قلما تنال حظها من مشاريع التنمية الوطنية.
خاتمة
في العقد الثاني للألفية الثالثة، نحن بحاجة ماسة إلى تجاوز منظورنا الماضوي حول الأنثروبولوجيا، وكسر طوق الصمت المضروب عليه في رحاب الجامعات والمعاهد العليا ليصبح تخصصا من ضمن باقي التخصصات التي يجب أن يراهن بها أصحاب القرار السياسي على حل مشكلات المجتمع المغربي، والبحث عن حلول ناجعة لها للقطع مع ماض من الأمية، والفقر، والتخلف، ومختلف تجليات الفساد.
فالسؤال الذي يلح على الباحثين الملتزمين بالتفكير الجدي في مستقبل قضايا التنمية هو: كيف سيجعلون من الأنثروبولوجيا، في الوقت نفسه، قاطرة للبحث العلمي، وقاعدة خلفية له، وكيف يشتغل هؤلاء داخل الجامعة المغربية، ليستثمروا قنواتها الحكومية في تصريف نتائج هذه الأبحاث، والاستئناس بها خلال التخطيط لمشاريع بناء دولة الحق والقانون، والارتقاء برهانات التنمية الحقيقية،
فلنُسائل واقع البحث الأنثروبولوجي العربي، وآفاقه المستقبلية، ليس كتجارب معزولة، ولكن كمشاريع ذات بعد تشاركي حول القضايا والإشكالات المجتمعية، ومطالب التنمية، لا سيما داخل عالم صار عنيف التجاذبات منذ ارتجاجات 2010، التي ما هي في الأصل، سوى ردود فعل مناوئة لرفض الاختلافات الثقافية بين البشر حيث تحولت، منذ مطلع الألفية الثالثة، إلى إرهاب معلن لا يبقي ولا يذر.
قائمة المصادر:
قائمة المصادر:
1. Ali Amahan – Catherine Cambazard-Amahan – Arrêts sur
sites, Le patrimoine culturel marocain- Éditions Le Fennec- Mars 1999- Casablanca- Maroc- P 8- 9.
2. Fatéma Mernissi – L’Amour dans les pays musulmans, A
travers le miroir des textes anciens – Éditions Le Fennec – Casablanca- Maroc – 2ème Édition 2012. P 165- 166.
3. فاطمة المرنيسي- نساء الغرب، دراسة ميدانية- ترجمة: فاطمة الزهراء أزريول- الشركة المغربية للناشرين المتحدين- الطبعة الأولى 1985.
4. عبد الله حمودي- الضحية وأقنعتها بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب- ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي- دار توبقال للنشر- البيضاء- المغرب- الطبعة الأولى 2010.
5. عبد الله حمودي- الشيخ والمريد، النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة- ترجمة عبد المجيد جحفة- دار توبقال للنشر- البيضاء، المغرب- الطبعة الرابعة 2010.
6. الزهرة إبراهيم- الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية، وجوه الجسد. تقديم: خضر الأغا- دار النايا للدراسات والنشر والتوزيع. دمشق، سوريا- الطبعة الأولى 2009.
7. الزهرة إبراهيم- الإيروس والمقدس- دراسة أنثروبولوجية تحليلية- دار النايا للدراسات والنشر والتوزيع- دمشق- سوريا- الطبعة الأولى 2010.
8. الزهرة إبراهيم- مدونة القنص بالصقر، قراءة في أدبيات "روضة السلوان" دراسة أنثروبولوجية مقارِنة- دار النايا - دار محاكاة للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا- الطبعة الأولى 2013.
قائمة المراجع
1. جيلبير دوران- الأنثروبولوجيا، رموزها، أساطيرها، أنساقها. ترجمة: د. مصباح عبد الصمد- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- الطبعة الثانية 1993.
2. .د. عبد الله إبراهيم- المركزية الغربية، إشكالية التكون والتمركز حول الذات- المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء- المغرب- الطبعة الأولى 1997.
3. جيرار لوكلرك- الأنثروبولوجيا والاستعمار- ترجمة: د. جورج كتورة -المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- الطبعة الثانية 1990- ص 19.
4. العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن محمد بن خلدون- مقدمة ابن خلدون- اعتناء ودراسة أحمد الزعبي- دار الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت- لبنان- د.ت.
5. د. عبد الله حمودي- مصير المجتمع المغربي- رؤية أنثروبولوجية لقضايا الثقافة والسياسة والدين والعنف- حوار وإعداد: توفيق بوعشرين ومحمد زرنين- مطبعة النجاح الجديدة- البيضاء- المغرب- 2004.
6. نيكلاس لومان- مدخل إلى نظرية الأنساق- ترجمة: يوسف فهمي حجازي- مراجعة وتدقيق: رامز ملا- منشورات الجمل- كولونيا (ألمانيا) بغداد (العراق)- الطبعة الأولى 2010.
7. د. زكي محمد إسماعيل- الأنثروبولوجيا والفكر الإسلامي- شركة مكتبة عكاظ للنشر والتوزيع- المملكة العربية السعودية- الطبعة الأولى 1982.
8. إدوارد سعيد- الثقافة والإمبريالية- نقله إلى العربية وقدم له: كمال أبو ديب- دار الآداب- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى 1997.
9. محمد عابد الجابري- المشروع النهضوي العربي- مراجعة نقدية- مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى- ديسمبر 1996.
10. جاك لومبار- مدخل إلى الإثنولوجيا- ترجمة: حسن قبيسي- المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء- المغرب- الطبعة الأولى 1997.
11. ستيفان شوفالييه وكريستيان شوفيري- معجم بورديو- ترجمة: د. الزهرة إبراهيم- دار النايا للدراسات والنشر والتوزيع- دمشق- سوريا- ودار الجزائر- الطبعة الأولى 2013.
12. د. حسين فهيم- قصة الأنثروبولوجيا، فصول في تاريخ علم الإنسان- سلسلة عالم المعرفة- عدد 98- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت- فبراير 1986.
13. آدم كوبر- الثقافة، التفسير الأنثروبولوجي- ترجمة: تراجي فتحي- مراجعة: د. ليلى الموسوي- عالم المعرفة عدد 349 – مارس 2008- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت.
14. د. حسين فهيم- قصة الأنثروبولوجيا، فصول في تاريخ علم الإنسان- سلسلة عالم المعرفة- عدد 98- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت- فبراير 1986.
15. عبد اللطيف البرغوثي- الفولكلور والتراث- الملاحم والسير الشعبية- عالم الفكر- المجلد السابع عشر- العدد الأول- وزارة الإعلام- الكويت أبريل، مايو، يونيو 1976.
16. مايكل كاريذس- لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟ الثقافات البشرية نشأتها وتنوعها- ترجمة: شوقي جلال- عالم المعرفة- عدد 229- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت- يناير 1998.
17. محمد أعراب- البحث السوسيولوجي في المغرب، مقاربة تاريخية-موضوعاتية. www.mouminoun.com. (تاريخ الزيارة 02 أغسطس 2016).
18. Marcel Mauss - Sociologie et anthropologie- Introduction : Claude Lévi Strauss- Quadrige PUF, 6ème Édition, Janvier 1995.
19. Jean Copans - Introduction à l’Éthnologie et à l’Anthropologie- Domaines et approches -ARMAND COLLIN Éditions- 3ème Édition- Paris 2010.
20. Roger Caillois - L’homme et le sacré - Éditions Gallimard- Folio Essais- Impression Bussière- France 2008.
21. Alfred MÉTRAUX – L’Île de pâques- Éditions Gallimard- Paris 1941.
22. PONS Albert - Le Régime Alimentaire au pays du Figuig (Nomades et Sédentaires)- Imprimerie TRIGRAPHE- Berkane- Maroc- 2010.
23. RAWD’AT AS-SOULWAN- LE JARDIN DE CONSOLATION- Publié, traduit et annoté par : Henri Jahier et Noureddine Abdelkader- Institut d’Études Orientales- Faculté des lettres- Alger- 1959.
تعليقات
إرسال تعليق