محطات ثقافية في حياتي (4)

الأصالة

بقلم : الناصر التومي

 أشار احميدة الصولي في تقديمه لمجموعتي القصصية البكر & كل شيء يشهق & إلى طرح مهم وهو أن كتاباتي تتسم بالأصالة، وهذا ما كنت أتشبث به طيلة أربعة عقود سواء من خلال المجموعات القصصية القصيرة الخمس أو الروايات السبع، فهمّي أن أكون منخرطا في منظومة الإبداع العربي الأصيل، خاصة من ناحية المضامين التي تستوجب أن تتسم بفضائل ثقافتنا العربية الإسلامية، ولا بأس من تطعيمها بتقنيات القصص الغربي التي كان لها السبق خاصة في جنس القصة القصيرة، دون أن ننسلخ من هويتنا، وأشار مصباح بوحبيل أيضا ضمن قراءته للمجموعة القصصية ـ& الأشكال تفقد هويتها& إلى الأصالة المتعلقة بمضامين القصص الواردة بالمجموعة.

 لم أكن اتبع منهجا معينا في الكتابة القصصية فالحدث يختمر في مخيلتي من رؤية معينة، أرسم خطوطها ولا أتدخل إلا نادرا في  تقويم المسار الذي اكتمل في ذهني بصورة من الصور، لم أكن أرسم أحاسيس شخوصي على الورق ساعة الخلق، بل كانوا معي في كل مكان وأوان، يلاحقونني بسهادهم ومعاناتهم، فأنبض بنبضاتهم وأتنفس بأنفاسهم، فإذا أزفت ساعة المخاض والخلاص فلا جدوى إلا بمساعدتها على البعث تلقائيا، فتجسيدي لهذه الاختيارات لا يتم بصورة ميكانيكية وإنما هي خلجات نفسية ذات حساسية إنسانية، يستحيل أن نلبسها قناعا منهجيا مصطنعا.

لم أكن ظلا لأحد:

طبيعي أن يتأثر كل كاتب بكاتب آخر أو أكثر، أو ينخرط في تيار برز فيه آخرون، ولعلي حلمت أن أبلغ مكانة بعضهم سواء أكانوا عربا أو غربيين، لكنني ما خطر على بالي أن أكون ظلا أو نسخة من أحدهم، شغفت بكتابة البشير خريف من تونس، ونجيب محفوظ من مصر، وحنا مينة من سوريا، وجبران خليل جبران من لبنان، وواسيني الأعرج من الجزائر، ومحمد شكري من المغرب، وفيكتور هيقو من فرنسا، وتولستوي من روسيا، وهمنقواي من أمريكا، وماركاز من أمريكا اللاتينية، لكن عندما تتمخض فكرة القصة وتكتمل، تتيه عني كل تجارب هؤلاء، وعوالمهم، ولا أجد إلا قناعاتي الشخصية تفرض علي اتباعها، في اللغة، والتقنيات، والقناعات، والثقافة الإسلامية العربية، والعادات والتتقاليد الاجتماعية، وقد استنجد التقنية الحديثة فقط من التجارب الأخرى.

  أثناء كتابتي لنص قصصي أتهيب من سطوة شخصية بقصة أو رواية لكاتب من الشرق أو الغرب، ما يجعلني أفتتن بها، وإذا أحسست أنني سجين هذه الشخصية أترك العمل كله، وأنسلخ منه تجنبا لظهور شبيه تلك الشخصية في نصي.  

 ولعل ملاحظة ـ تلاخيص روائية ـ لبعض قصصي القصيرة، أو ما يعبر عنه بالامتداد الروائي، والتي جاءت من قبل الأديبين &أبو بكر العيادي& و&يوسف عبد العاطي& تجدني لا أصر على هذا المنحى في تعدد بعض الأحداث في قصة قصيرة، لكن هذه الأحداث فرضت نفسها على القصة لأنها بها تشكلت، وهذا أيضا يعد مني تمردا على بعض القوالب الغربية التي يريد البعض الإصرار عليها وجعلها مرجعا يستوجب عدم الخروج عنه، فعديدة هي القصص القصيرة التي تحمل مكونات الروايات و اختزلها كاتبها في جنس القصة القصيرة، وعديدة هي الروايات التي كان من المفروض أن تختزل في قصة قصيرة، لكن كاتبها قام بتمطيطها لتلاحق جنس الرواية، وقد أشار أيضا إلى هذا الأمر مجمد الجابلي عند نقده للمجموعة القصصية ـ حدث ذات ليلة ـ &، واعتقد أن بعض هذه القصص كانت قد كتبت بامتداد روائي&

التجديد:

أؤمن بأن التجديد يكون من خلال التيار الواقعي، ومن خلال عناصر القص الكلاسيكي، لا من خارجهما وهذا ما حاولت أن أضيفه، ولا يعنيني أن تطلق علي سمة المجدد، بينما قصصي لا تصل إلى الجماهير، فأنا لا أكتب للنقاد، بل أحاول أن تصل قصتي لفهم كل قارئ مهما كان مستواه التعليمي.

التجديد في كل فن هو إكسير ضد الجمود، وبدونه فإنه إعلان عن عدم قدرة أي جنس أدبي على مجاراة التطور الحضاري الذي يشمل أيضا وسائل التعبير والإبداع، وبالتالي فإنه سيتآكل ويبقى على الهامش، لكن هذا التجديد لا بد له من ضوابط حتى لا ينفلت الجنس الأدبي من إطاره، فالمحافظة على مقومات الفن القصصي مثل المضمون المثير الواضح المعالم، والتشويق، والتصعيد الدرامي، والخاتمة المفاجئة هي بمثابة الأرضية التي لا يمكن أن نتخلى عنها بتعلة التجديد، ونكتفي بتداعيات وهلوسات وثرثرة، وغموض مبهم، ورموز مغلقة، فالتجديد من خلال عناصر الحكاية الثابتة، وليس من خارجها، ورأس مال الكاتب قارئه، فإن أرهقناه هجرنا.

تعليقات