تقديم كتاب / الشاعر عبد الحميد خريف حياته ومقالاته الصحفية

الشاعر عبد الحميد خريف
حياته ومقالاته الصحفية

بقلم / محمد المي


                                         كتاب جديد يضاف الى المكتبة التونسية اقترحه الشاعر والصحفي الكاتب نورالدين بالطيب عنوانه الشاعر عبد الحميد خريف حياته ومقالاته الصحفية
                                       وهو كتاب للتذكير بالجهود التي بذلها الشاعر والصحفي الراحل عبد الحميد خريف طيلة عقود من العطاء الإبداعي والإعلامي
                                      إذن نحن إزاء كتاب كتبه شاعر وصحفي من الجنوب التونسي عن شاعر وصحفي من الجنوب التونسي كذلك الأول من دوز وهو نورالدين بالطيب سليل عائلة اغلب أفرادها من القضاة والأطباء والثاني عبد الحميد خريف سليل عائلة خريف التي اشتهر أفرادها بالأدب ومنهم إبراهيم خريف والبشير خريف ومصطفى خريف ومحيي الدين خريف
                                     عادة ما يكتب هذا النوع من الكتب بعد سنوات من رحيل الكاتب لأن حجاب المعاصرة يمنعنا من التعرف على قيمة من نعيش معهم أو من عايشناهم فكانت لنا معهم تقاطعات ايجابية وسلبية بحكم تقلبات الحياة وبذلك ندرك إننا إزاء كتاب لافت ومختلف .
                                 واذا رجعنا الى المنجز الذي كتبه نورالدين بالطيب نجد أنه كتب كتبا عن العديد من مجايليه من الأحياء
كتابه عن المسرحي عبد العزيز المحرزي
وكتابه عن حسن مرزوق
وكتابه دوز ذاكرتي عن مسقط رأسه
وكتابه عن أسفاره ورحلاته
                                      الرجل حينها له من القدرة على التوقف عند اللحظات التي يعيشها ويحولها من فترة عيش أو معايشة إلى لحظة كتابة وتوثيق وبذلك فان الكتابة حياة والحياة كتابة أي إن نورالدين بالطيب لا يتعامل مع الكتابة كترف أو تسلية في أوقات الفراغ أو نزوة عابرة أملتها ظرفية عابرة بل انه يعي اللحظة ويتمثلها ويسعى إلى استثمارها وتحويلها من موقف ظرفي إلى شهادة عن الشخص أو المكان أو الفعل لذلك قلت منذ البداية إن هذا الكتاب إضافة إلى المكتبة التونسية .
                                  عبد الحميد خريف الجنوبي القادم الى العاصمة الذي كان يكتب عمودا أسبوعيا نسمات من الجنوب وله كتابات شتى في عدة منابر إعلامية أخرى كالرأي والناس والأيام وبلادي والعمل والحرية والصباح والملاحظ والشعب والإذاعة والتلفزة ...إلى غير ذلك من المنابر الإعلامية التي توقف عندها الشاعر والصحفي نورالدين بالطيب ليكشف عن وجه آخر لعبد الحميد خريف وجه معلوم مجهول في الوقت نفسه
                               هو معلوم لدى مجايليه ومعاصريه ومجهول لمن اكتفى بالتعامل مع الشاعر سليل الأسرة الأدبية . في حين أن عبد الحميد خريف لا تكتمل الصورة إلا إذ أحطنا باهتماماته المتعددة فهو كاتب أغنية وكاتب مسرح وكاتب للأطفال وصحفي ..وكل هذا من شأنه أن يفهمنا طبيعة اهتماماته وشواغله الفكرية بحكم أن الأديب ذات متفاعلة مع العصر قبولا ورفضا ’ أخذا وعطاء ولا يمكن تجريد الشاعر من الخضم اليومي بكل ملابساته والاكتفاء بالتعامل معه شاعرا فقط .
                               هنا تأتي أهمية كتاب نورالدين بالطيب الذي نبه إلى جزء آخر من تراث الفقيد ولفت إليه الانتباه حتى ندرك ونحن نقرأ مدونة الشاعر إلى شواغله الفكرية بالأساس .
                                لقد جمع هذا الكتاب بين دفتيه تقديما للشاعر عبد الحميد خريف تحدث فيه نورالدين بالطيب عن كيفية معرفته بالشاعر فكانت الورقة التقديمية بمثابة السيرة المزدوجة للكاتب وللمكتوب عنه فنحن لا نرى عبد الحميد خريف مجردا ولا نتحدث عنه فردا بل في علاقة بالكاتب الذي يكتب عنه وهي كتابة حميمية مزقت حجاب المعاصرة لتبرز أواصر صداقة وتكشف عن علاقة إنسانية وأدبية في الوقت نفسه مجردة من الموضوعية خالية من التعامل الجاف الذي تقتضيه أحيانا كتابه الترجمة الذاتية أو الكتابة الغيرية عكس السيرة الذاتية  .
                                الترجمة الغيرية غدت في هذا الكتاب أو لنقل في جزء منها سيرة ذاتية فتداخل الحديث عن عبد الحميد خريف بالحديث عن نورالدين بالطيب ومن يعرف هذا الأخير -وأنا أدعي معرفته- فان نورالدين بالطيب شخصي مزاجي لا يكتب إلا عن شيء يحبه ولا يقترب من شخص إلا إذا أحبه بل إن عوالمه تكاد تنغلق عليه بحكم تشدده في اختيار من يحب
ألم يقل صاحب بهجة المعرفة نيتشة / المبدع هو الذي يحسن اختيار المبدعين من حوله
                                 فضلا عن كون نورالدين بالطيب يباهي بضيق عالمه البشري لأنه يفيض على من حوله من خلان معدودين بفيض من الحب والعطاء اللامشروط .
                           الكتاب الذي نقدم يجمع حينها بين السيرة الذاتية والسيرة الغيرية والتوثيق لجزء من جهد بذله الراحل عبد الحميد خريف طيلة سنوات من العطاء الأدبي والفكري
                            إن الثقافة التونسية لفي اشد الحاجة إلى هذا النوع من الكتب أعني الكتب التي تعرف بأعلام الفكر والأدب وتبرز جهود الرجال وتعترف بجليل الأعمال التي قدموها وبذلوها في سبيل رفعة أوطانهم .
                            هناك من يتكلم اليوم عن تصحر ثقافي وهناك من يتهم تونس بالعقم وهناك من ينفي على أدباء تونس وكتابها الإضافة وهناك من يجحد الفضل ولا يحسن تقدير الرجال والأعمال وقد ارتفع نسق هذا الخطاب بعد 14 جانفي 2011 لذلك فان هذا الكتاب هو بمثابة الكتابة المقاومة للنسيان والجحود والنكران والتي تسعى إلى تأصيل الثقافة التونسية  بعيدا عن الزيف
لقد حمل نورالدين بالطيب هذا العبء حينما تصدى للتعريف بعبد الحميد خريف وإبراز دوره في المجال الثقافي والتوثيق لجهوده في المجلات والجرائد وكم علم من أعلامنا يحتاج إلى  هذا النوع من الوفاء لأن الذاكرة التونسية مبعثرة ومهملة ومتلاشية في مختلف الدوريات الصادرة قبل الاستقلال وبعده ونحن لا نعرف تركتنا كما قال المرحوم سعد غراب في كتابه كيف نهتم بالتراث
وقد قال فيما قال رحمه الله
وتسألني مذا نحن فاعلون بالتراث أقول لك إن كل تراثنا جدير بالاهتمام فعسى نجد ما يهمنا بالغوص فيما لا يهمنا
                               ومن هنا نفهم القيمة التوثيقية لكتاب نورالدين بالطيب فقد حفظ جزءا من الذاكرة وقد قدم مجهود زميله رافعا عنه الغبن وأضاء السبيل للاحقين من الأجيال القادمة وعوض أن نكرس مقولة لم يترك السابقون للاحقين شيئا نقول ماذا ترك السابقون للاحقين؟
                                 في هذا الإطار يتنزل كتاب نورالدين بالطيب وأعتقد جازما لو سألت جيل اليوم ماذا يعرف عن عبد الحميد خريف أو البشير أو مصطفى لما ظفرت بما يشفي الغليل ويروي الظمأ . فالظلامية الحقيقية في تقديرنا هي الجهل بالتراث وعدم معرفة الرصيد الثقافي المتوفر لدينا
                                الاحتفاء حينها بهذا الكتاب وتقديمه فرض عين لا نافلة من النوافل لان دور المثقف هو إشعال الشموع وإنارة السبل وتنبيه الغافلين وعدم الانخراط في السكوت الذي لا يجر وراءه غير الجهل والإمعان فيه .
                                  سئل حمار توما عن الفرق بينه وبين صاحبه فقال أنا   جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب فقيل له مالفرق بين الجاهل البسيط والجاهل المركب قال /
أنا جاهل وأعلم أني جاهل فأنا جاهل بسيط وصاحبي جاهل ويجهل أنه جاهل فهو جاهل مركب . فإذا كان لا بد من الجهل فليكن أبسطه ولا نحسبن أنفسنا قد أدينا حقوق أجيال عملت وقدمت وحسبت أنها تغرس وردا فجنت شوكا  نتيجة النكران والتجاهل والنسيان ولنبادر إلى رفع الغبن عن أعلامنا بإطلاق أسماهم على المعاهد والمدارس ودور الثقافة ولأنهج والساحات وجمع أعمالهم وإدراجهم في البرامج المدرسية حتى إذا تخرج طالب يكاد يعرف القليل عن تاريخ بلاده إن لم يعرف الكثير وبذلك تشعر المجموعة الوطنية أنها زرعت فحصدت  


تعليقات