صالون صفاقس السنوي للفنون في دورته 26
مَشاهد وشواهد
بقلم/ لبنى الخراط
انتظم بمدينة
صفاقس مساء يوم الخميس 22 فيفري واحد من أهم
التظاهرات التي تحتفي بالفاعلين في مجال الفنون التشكيلية والبصرية بمختلف مشاربهم،
حيث يفسح الصالون السنوي للفنون المجال للهواة والمحترفين والباحثين الجامعيين من أجيال مختلفة ليس فقط للمشاركة
وإنما لمصافحةالتجارب بعضها البعض
والمكاشفة البينية بمختلف أبعادها التقنية والاستتيقية.. كما يجمع مختلف
الاختصاصات بل وكل الممارسات التي تنفلت عن التصنيف متجاوزة معاييره الفاصلة، بما
يجعل منه مناسبة جهويّة هامة وشاملة، ينتظرها الفاعلون في المجال، سيّما وأنها
توفّر بالتوازي فرص التألق من خلال مسابقات في الممارسة والكتابة النقدية، وهو ما
من شأنه أن يحفّز أكبر شريحة ممكنة من المهتمين.
الإطار
المكاني الإكراهات والحلول
استقرّ
الاختيار هذه السنةعلى قاعة الأفراح والمؤتمرات البلدية ، في ظل غياب رواق متخصص
مؤهل لاستيعاب وفرة المشاركات رغم ما شهدته من مرحلة فرز، وقد ارتدتحلّة مغايرة
تجبر الزائر للوهلة الأولى على تعديل بوصلته ومحاولة تجاوز ما قد يصيبه من ارتباك
وتداخل في الإدراك الفضائي بفعل الانزياح الوظيفي الحاصل، ساعده في ذلك توضيب جديد
لمحامل مخصصة لاستقبال الأعمال سواء منها ثنائية أوثلاثية الأبعاد،إلى جانب شبكة
إضافية من المؤثرات الضوئية، سعيا إلى تدارك أزمة العرض التي مازالت إلى حدود
عشرينات القرن الواحد والعشرين تصيب المدينة. ولعلّ التوضيب المحيطي للمحامل
المتوازي مع جدران القاعة في تباعد نسبي يسمح باستغلال الواجهتين، مع ما يتخلله من
تعامد، يوحي بوجود بعض الفواصل الضرورية التي يتوقف عندها المُشاهد...احتراما للمسافة الضرورية للقراءة،
ويبرهن على مجهودات لجنة التنظيم من أجل استيفاء مقتضيات متناسبة مع حجم ووضعية
العمل وخصوصياته...
بنائية المَشاهد
يحضر
معطى الاختلاف،ككل تظاهرة جامعة، ولكنه لا ينفي تقاطعات عديدة نتقصّاهاونتوسّلها
في محاولة تبوبيةتقتضيها منهجية الكتابة النقدية التي قد تمارس نوعا من التعسّف أو
الاختزال عند الاكتفاء ببعض الجوانب التي لا تفي في معظم الأحيان الأعمال حقها ولا
تسبر كل أغوارها، سيّما إزاء زخم المشاركات كمّا وكيفا، وذلك سعيا إلى الإلمام
بمختلف الإشكاليات والقضايا التي تطرحها:
لئن كانت
المرأة ملهمة العديد من الفنانين والفنانات فإنها تحضر في المعرض بشكل مكثف في
العديد من الأعمالحيث تعتمد أحلام بوصندلالجسد الأنثوي في وضعية خلفية تشيح
بمؤخرتها إلى المشاهد في تحدّ صارخ فتواجه مصيرها بشكل مفرد حين يتقدم الجسد على
مستويات اللوحة بل ويتجاوز إطار المرسوم الذي حوّلته الفنانة إلى مكوّن من مكوّناتها،كما
تتقاطع معها نجاة الذهبي في نفس هذه الثنائية حيث يتصدّر جسد
"الزوفرية"، في وضعية وقوف تترصّد بالمُشاهد، محور اللوحة في واحد من
جزأيها في حين تكتفي بوجه مرتبك متأمل في الثاني نستشفها "استنادا إلى شكل
العين أو هيئة النظرة، أو انطلاقا من التصنيفات الدلالية المسبقة المودعة في العين
والذاكرة"[i][1].
وتعمل الفنانة على إحاطة لوحتها بإطار سميك اتخذ درجات متفاوتة من الرمادي الملوّن
ولكنّ شخوصها وأشكالها تنفلت وتكسر حدوده. وتبحث هالة الهذيلي عن ملامح
لـ"نساء القمر" المطلّة في ابتسامة خفيفة خجولة ثم تختفي بين شراك
اللوحة المنسوجة بخيوط وطبقات لونية متراكبة متشافّة تتخلّلها فتحاتها الدائرية
المعهودة والمميزة. ويحتفي فتحي بوزيدة في مشاركته بالأجساد المكتنزة
استلهمها صاحبها من البيئة المحليّة حيث يحوّلها إلى منتوج "صنع في
تونس" يحمل الشارة المميّزة.
وتتخذ
بنائية اللوحة مع نجوى عبد المقصود ثنائيات متعددة الأوجه تتراوح بين الواقعي
والخيالي حيث تلتحم "ساكنة الهوى" بجسمها الطفولي مع أجنحة طائرها تطوف
مرتفعة عن معمار مدينتها المغرقة في العتامة والسواد وتتوق نحو أفقها المتلاشي..ويتحوّل
الجسم البشري في عمل لـحاتم الميلاديإلى علامات متراكمة ومتراصّة، تناجي
المُشاهد بأعينها الشاخصة في مواجهة لعتو الأمواج تلتقفها وتلقي بها على عتبات
اللوحة في أجواء ملحمية داكنة.وتنتظم معهندة بوحامد أعمدة المدينة المعاصرة
في صخبها وكثافة بنيانها في مشهدية متعدّدة تؤسسلبنائيتها المتعامدة في لوحات
ثلاث،ولكنها تنجح في تطويع خطوطها وتليينها وتبثّ بين ثناياها نفسا مشرقا بمِلونة
متفائلة رغم ما يكتنفها من رماديات،إذ "يتحول اللون في التصوير، قيمة إبداعية
عند تحولها إلى قيمة ضوئية."[ii][2]
وأمام
كثافة حضور اللوحة وألوانها وسيطا قد تتخلله بعض تقنيات التلصيق، نتوقف عند عدد من
المشاركات التي اتجهت نحو سبر أغوار المادّة في تشكّلاتها وتفاعلاتها اللونية
والضوئية والحياكيّة ولّدت مشهديّة خاصّة ومميزة لدى كلّمن صفوان علولو وعائدة
الكشو وخليفة البرادعي.كما تشهد اللوحة في الصالون بعض محاولات التخطي
مثال ذلك عمل لـسمية الحمداني عبر تحويلها إلى لوحة منسوجة تستعين بشبكة من
الخيوط-الخطوط لتثبيت حجم اسطواني دخيل مرتفع عن سطحها نسبيا، أمّا محمد سحنون
فإنه يمارس عليها فعله النحتيّ ليطوّع إطارها ويحوّل انبساط سطحها انحناءيبث
فيتموّجاته أشكاله الحروفية المتراكبة،متمسكا بها كمبحث يحضر معه بإستمرار.
يشترك
عدد من المحفورات مع المقترحات التصويرية في البعد المشهدي ولكن الخصوصيات التقنية
تفرض بنائية مخصوصة حيث يأخذنا كمال عبد الله عبر دقّة وطواعية خطوطه في الحفر بالرأس
الحادّة على المعدنإلى عوالم شخصياته الدنكيشوتية التي تراوغه فيراوغها بلمسة رسام
متميّز ملتزما بالحبر الأسود وتنويعاته، أما سلوى العايدي فتخضع ألواحها
المعدنية لتأثيرات الأحماض كتقنية تمكنها منإحاطة شخوصها الحالمة بعوالم فانتازمية
مستفيدة من الخصوصيات اللونية للحبر والذي قلّما نجد له مثيلا في وسائط أخرى. تستكمل
الفريق كل من فاطمة دمّق في اختصاص الحفر على اللينو ولبنى عبد المولاه
في الحفر على الخشب وتسلك كل واحدة طريقها في تثوير بنائية المحفورة متجاوزة أطرها
الآحادية المحدّدة.
ويحتلّ
التصوير الفوتوغرافي نصيبا هاما من المشاركات يتجلّى مع بعض أعضاء نادي الفوتوغرافيا
من بينهم محمد نجاح وسمير
الرباعيترتكز عدساتهما على اقتناص مشاهد من المحيط المديني في مختلف
تجلياته، ونجد في المقابل بعض التجارب التي لم تكتف باعتماد العدسة كوسيط حيث تسعى
سماح بوشعالة إلى اقتناصالتدخّلات اللونية على الوجه والجسد الخاص تعيد
تركيبها من أجل استعادة زمنيّتها المتعدّدة، أمّا حنان المعزون فتوظّف
البرمجيات والوسائط الرقمية كسليل للصورة الفوتوغرافية في صياغة تكوينات هندسية في
تداخل وتراكب مع الأشكال النجمية. ويقدّم غازي زليلةفي ارتباط بالفنون
الرقمية تشكيلاته القيروانية بوساطة القصّ الليزري الذي يمنح الأشكال طابعا
اختزاليا تبسيطيا وهو مبحث مستحدث أثّر بجلاء في تطوّر ممارسة الفنان الخزفية سواء
فيمكوّناتها الشكلية أو الأسلوبية.
شواهد
الفعل وتداعياته
لعل من
مبررات الفصل في دراسة الأعمال استنادا إلى معطى البعد الثالث انتفاء إمكانية
المقارنة حيث تتفاعل الخصوصيات المادية ومقتضياتها التقنية مع معطى الفضائية
باعتبار"أن التشكيل الفضائي هو عملية ذهنية إدراكية وإبداعيةأظهر عبر ممارسات
الفنانين اختياراتهم وتصوّراتهم مفاهيم ساهمت في صياغة القطائع وبلورة مناهج
وأساليب"[iii][3]لذلكيجدر
بنا أن ننوه بداية بارتفاع نسبي للمشاركات النحتية والخزفية بالإضافة إلى بعض
الأعمال التي اتسمت بالفضائية، ولابد أن نشير في هذا الصدد إلى اقتحام عناصر
نسائية لمجال النحت المباشر على الرخام، سعتا إلى جانب مشاركات أخرىلتطويع صلابته
واختراق كتلته، وفق تكوينات خطية في التوائية متداخلة مع ريم معلى، وانفصلت
متوازية مع لبنى قبادوفي محاولة للانطلاق عموديا. ونستشف من وراء الاختيار
إصرارا على التحدي قد يشمل المادة والذات معا ينعكس ضرورة على فضائية المنحوتة ذلك
"أن الفضاء ليس حضورا خارجيا قائما بذاته بل هو موضوعي غير منفصل عن تصوّرات
الفرد وتمثّلاته الداخلية سواء منها الواعية أو غير الواعية مما يقيم الدليل
على أنّ الفرد هو الذي يشكل فضاءه بما استقرّ في ذاته من تصورات"[4]،أما
الخشب فيشهد مواجهة مع الفولاذ يجمعهما نزار التريشلي في سعي مطّرد لتجاوز
حضور المنحوتة الثابت..كما يسجل الصالون عدة مشاركات خزفية اتخذت منحى نحتيا رغم
التزامها بمقتضيات الشكل المفرغ من أهمها مشاركات منجي والي ومكّية
الشرمي.ولئن تألقت الملونة الخزفية مع تجربتي الأخوينالكشو بما أظهراه
من تحكّم في الإضافات التي يمارسانها علي الأصباغ مستفيدين من تجارب غربية ومحلية،
فـ"لا حرج لدى بيكاسو أن يضيف إلى خزفياته عناصرا دخيلة وغريبة من ذلك خبث
المعادن وبعض أدوات الإفخار. أو أن يعمد إلى خلط البطانة فوق المينا.أو أن يستعمل
في خلط بعض الطلاءات دقيق البلّور تراب ونجارة طين وتزجيج شفاف، معتبرا هذه
الطرق...قطعا مع رتابة السطح البرّاق والأملس والمكتمل."[5]وقد
اغتنى اللوح الخزفي مع كليهما ببنائية متفاعلة ومتداخلة مع البحث اللونيوتتمثّلمشاركة
كمال الكشو في عمل مركّب طعّمه بحضور مفردات جديدة حيث يساهم هيئة الجمل
المبسّطة والمؤسلبة في رسم مسار "القافلة"،أمّا لوح بلحسن الكشو
فيبرهن على سلاسة المرور إلى المحجّم لتشكيل المبصر في تمظهراتهالممتدة
واللامحدودة. وتتجلى مع خزفية هدى الخراط تقنيات
التجزئة وإعادة التركيب في تناغم مع ملحمة "المحارب"في مبحث مستجدّ يحسن
توجيه مفاجآت تقنية الراكو.
ولعلّ تنوّع
المقترحات وتفاوتها في التمسّك بالاختصاص ومحاولات التجاوز لم ينف بعض الشواهد
التي قدلا تستمد أهميتهامن تفاعلات التشكيلي والتقني فقط بل لأنها تحيلنا علىبعض
الإشكالات التي تواجهها الممارسة المعاصرةحيث يستوقفنا عملان لـفاطمة الحاجي
بعنوان أثر1 وأثر2كشاهدين على تجربة سابقة لمرحلة العرض هي عبارة عن برفورمونس تقوم
خلالها الفنانة بمسرحة فعل التصوير على جسدها الخاص مرتدية اللباس-المحمل
بالاستعانة بمؤثرات صوتية وضوئية كعناصر أساسية تستكمل مشهدية الممارسة وتمنحها
بعدها الرابع المؤقت والمحدود في الزمن لينتهي عمر العمل بتوقفه، وفي المقابل تتشبث
الفنانة باستعادة آثار الممارسة المنتهية وتعيدها إلى إطارها الأصلي قبل
تثويرها..يبدو أنه للوحة- الإطار سحر متجدّد يجعلنا نعود كلّما رُمنا الفرار
نتأمّل في ذواتنا ونتساءل أين المسير؟ويتقدم عمل محمد الرقيق كعمل إشكالي
في تناغم وتأكيد على سلسلة من الأعمال التي اتخذت نفس المنحى في إستعادة لمبدإ
مساءلة الممارسة التشكيلية الديشامبية وهي حركة شاهدة على أزمة الفن الغربي قبل
قرن من الآن، حيث يمارس الرقيق فعل الهدم والتقطيع اللاحق لفعل التغليف والتشميع
وكلها مستمدّة من معجم الممارسات المعاصرة التي تقدّم "مفهوما" لصياغة
موقف ينبني على فعل فهل هو ارتجاع صدى بلغت موجاته جنوب المتوسط أم هل هو استشعار
لأزمة محدقة بالممارسة المحلية وهل تستوجب الحركة إجابة أم أنها بإمكانها الاكتفاء
بنشوة المسائلة؟
وحيث
يشهد الإطار المكاني الذي استقبل المعرضعلى مشكل ثقافي في علاقة بالتذوّق التشكيلي
فإن انتظامه يؤكّد على إرادة المنظمين ومن ورائهم جمهور الأحباء والناشطين
والفاعلين للتمسّك بالصالون مكسبا وموعدا متجدّدا للاغتناء بعبق الألوان وسحر
المواد في تناغمها وتنافرهما...
[1] سعيد بن كراد، مقدمة
المترجم، غي غبوتيي، الصورة المكونات والتأويل، المركز الثقافي العربي،
المغرب،2012، ص.13.
[2]ARTURO MARTINI, La sculpture langue morte,
Traduitde l’italien par Francesca Isidori,
L’ECHOPPE,Paris, 2009, p .33.": En
peinture, une couleurdevient une valeur créative lorsqu’elle se transformeen
ton ."
[3]عبد
العزيز الحصايري، التشكيل الفضائي، دراسات فنّية في المادّةوالفعل والأثر، تأليف
جماعي تحت إشراف جمعية جسر الفنون بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس/ دار محمد
علي للنشر، صفاقس، 2009، ص.53.
[4] المرجع نفسه، ص. 46.
[5]كمال الكشو، قراءة في مقاربات الخزف المعاصر من خلال
أعمال "أنطوني هببورن"و"فيلما فيلافرد"،دراسات فنّية في
المادّة والفعل والأثر، مرجع سابق، ص.105.
[i][i] سعيد بن كراد، مقدمة
المترجم، غي غبوتيي، الصورة المكونات والتأويل، المركز الثقافي العربي،
المغرب،2012، ص.13
[ii]ARTURO MARTINI, La sculpture langue morte,
Traduitde l’italien par Francesca Isidori, L’ECHOPPE,Paris, 2009, p .33.": En
peinture, une couleurdevient une valeur créative lorsqu’elle se transformeen
ton ."
[iii][iii] عبد العزيز الحصايري، التشكيل الفضائي، دراسات
فنّية في المادّة والفعل والأثر، تأليف جماعي تحت إشراف جمعية جسر الفنون بالمعهد
العالي للفنون والحرف بصفاقس/ دار محمد علي للنشر، صفاقس، 2009، ص.53.
[iii] المرجع نفسه، ص. 46.
[iii]كمال الكشو، قراءة في مقاربات الخزف المعاصر من خلال
أعمال "أنطوني هببورن"و"فيلما فيلافرد"،دراسات فنّية في
المادّة والفعل والأثر، مرجع سابق، ص.105.
تعليقات
إرسال تعليق