التمرد الحقيقي ،، وصوت الأنثى
قراءة في قصيدة (( أيها العالم الأعمى )) للشاعرة التونسية (( فوزية العكرمي ))
# عبد السادة البصري
ان تتمرد ، يعني ذلك ثورتك على واقع ترفضه بكل أشكاله وأصنافه وأنواعه ، سواء كان جيداً أم رديئاً ،هي فكرتك ، وصوتك ، وحياتك التي تريدها ، وتبتغي الوصول بها إلى ضفة الوضوح دائماً ، وفي كل شيء !!
صرخة تم ّرد كبرى تطالعك وأنت تسبر أغوار كلمات القصائد ، والخطب النارية ، والمواقف العالقة في الذاكرة ، والصرخة أكبر إذا كان التم ّرد حقيقياً ، وعلى شيء ملموس ومحسوس ومعاش !!
هذا ما وجدته بين سطور قصيدة الشاعرة التونسية ( فوزية
العكرمي ) التي علّقت بسقفها ثريّا نص متراقصة الأضواء والأشكال بمس ّمى ( أيها العالم الأعمى ) والثريا هذه تبدأ بأداة نداء عالية الصوت والصدى ( أيها ) والمنادى هو ( العالم ) بكل ما فيه من حجر وشجر وبشر ، وبتوصيفة ذات معنى كبير جداً ( الأعمى ) بمعنى أن المنادى ، أو هذا العالم الذي صرخت بوجهه الشاعرة العكرمي لن يبصر أي شيء ، لأن العمى يأخذ منحيين ، أما البصر ( العيون والنظر ) أو البصيرة ( القلب والضمير والإدراك ) ، لتبدأ بتوضيح ما تروم البوح به لهذا المتغطرس الكبير الذي لا يرى أي شيء إلاّ نفسه ، ولابد أن يكون الكلام بصوت عا ٍل :ــ
(( لا أقول شيئاً ل ّلاشيء
الكلام قاتل والنوايا مق ٌص وحافر ))
من جملتها الأولى ، والتي أرادت إيضاح ما ستفصح عنه في بوحها ، أعطت إشارة واضحة أنها تصرخ بكل عنفوانها وان المنادى لا شيء ، وهنا نقف عند نقطتين ( أعمى ،، لا شيء ) إذاً هي أمام شكل هلامي لا اسم له ولا حجم ولا عنوان ولا أي شيء ، بمعنى أنها نفته تماما من الوجود ، وألغت كل علاقته بالكون ، لكنها تستدرك فعلتها هذه لتقول ( الكلام قاتل ، والنوايا مقص وحافر ) بمعنى إنها قتلته او بإمكانها قتله ــ العالم الأعمى ــ بالكلام ــ بوحها ــ والعالم هذا بشكل موجز يوحي إلى الرجل ، أو عالم الذكورة الذي استحوذ على كل شيء ، وجعل الأنثى تابعا له ، ومحبطة وترزح تحت نير عبوديته فقط ، لهذا تمردت الأنثى فوزية ــ تمردت بصوت بنات جنسها ، وصرخت في وجه هذا العالم المستبد والطاغي ، لتعيد الحق إلى نصابه ، بعد أن تقدم الشهادات الدالة على تمكنها من استحواذ الفوز ، لكنها تو ّضح أيضاً في مستهل صرختها بأنها أنثى تحمل كل الصفات التي يحملها الرجل ، لأنهما من بني البشر :ــ
(( وأنا من لا شيء من سعفة مهدودة الأثداء
ًَ
بصرختها هذه ، لا تريد أن تداوي جرحا ما ، أو تعلق حكايتها
على منارة عالية لتحظ بالحفاوة والتكريم :ــ
(( لا أريد مداواة أحد لس ُت نبيّة لأبريء الأكمه والأبرص ولست يوسف
لأعلق قميصي شهوة للسكاكين المطلية بالذهب ى وأفوز بالتصفيق الممل ))
إنها تريد إيضاح شيء ملتبس منذ بدء الخليقة ، وهي النظرة إلى الأنثى ، وسلب كل حقوقها كإنسانة تملك من الأحاسيس والمشاعر ما يحمله الذكر أيضا ، وربما تتفوق عليه ، فتظل تعدد في مقاطع مختلفة المعنى ( أنا ...... أنا ... أنا ... ) :ــ
(( أنا ذئب الحكاية ..)) (( أنا زليخة .. ))
(( أنا الامتحان .. )) / أنا سقوط آدم ... / أنا سقوط التفاحة ... / أنا اليد التي ... )) وهكذا ...
وعند تعدادها لهذه الأنا وما لها وما عليها ، فهي تسرد بالتفصيل ما لهذه الأنا من أفعال وصفات ومسميات وحكايات وآثار ودلائل لترميها أمام العالم الذكوري ، الذي تراه عاريا يحمل كل آثام الكون وشروره ، ويرجم بها الأنثى ، تلك المخلوق الرقيق الح ّساس ، والأرض الخصبة لبذرة الخصوبة والنماء وتحولات الكون :ــ
(( لكنكم تتعففون لتعلق صوركم على الستائر أراكم عراة الآن تغمسون أصابعكم كل صباح في الدماء الطاهرة
لتطردوا الشياطين والبغايا ))
وتكمل صرختها أو تمردها بالوقوف مهما ادلهمت الخطوب وك ّشر الآخرون في وجهها ، لأنها تحمل روح اله :ــ
(( وأنا هنا واقفة ترجمونني حينا بالقصائد وكتب الشروح والوصايا وحينا تعلقون في ألفي كل الخطايا
يا رب متى تحين حياتي ؟! ))
بمعنى أنها لحد هذه اللحظة لم تحيا الحياة التي ترغب فيها ، أو الحقيقية جدا بالنسبة للمرأة ( الأنثى ) لتكمل :ــ
(( فقد عاشت بأرضك أنثى تشبهني هي من طين وأنا هنا ، والاه من حلوى وزئبق ))
فوزية العكرمي الشاعرة ، تؤكد صوتها الأنثوي من خلال حديثها عن بنات جنسها ، لتحمل الراية مدافعة عن حقوقها كإنسانة في هذا الكون الذي لن يبصر غير الرجل ، ولا شيء غيره ، وعلى المرأة أن تكون عبدة له تأتمر بأمره ، وتنفّذ كل ما يقول ويرغب ، ولا صوت لها أبدا !!
العكرمي رفضت هذه العبودية ، ورفعت يدها احتجاجا أمام قانون الذكورة هذا ، لتفتح نافذة ضو ٍء ذات شعاع أ ّخاذ كي يبصر هذا الأعمى الحقيقة من كل جوانبها .

تعليقات
إرسال تعليق