ما الذي يريده النساج منا ؟

ما الذي يريده النسّاج منّا
قراءة في ديوان (خلاصات النسّاج)   للشاعر عبدالله حسين جلاب

عبدالسادة البصري

" خطاب الحداثة تخريب أنظمة الكتابة وحفر بالبرق في سمائها المعفرة بالرماد " ص 9

بهذه الكلمات المقتضبة جداً والتي تعطي بعداً كبيراً وتجعلك في دوّامة من الأفكار ومحاولة الغور في أعماقها السحيقة . يأخذنا الشاعر (عبدالله حسين جلاب) في دهاليز كتبه الأربعة المضيئة التي أعطاها عنواناً واحداً جمعها في كتاب واحد "خلاصات النسّاج/ في الجمال" وكأنّه يوحي لنا بقول "النفّري" إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارات .

مدخله هذا يعكس خطاب الحداثة أو ما الذي نريده من الحداثة ومشروعها الكتاب في الشعر والنثر وما إلى ذلك . إنّه يؤكد على أنّ خطاب الحداثة تخريب أنظمة الكتابة . أي تفكيك وبلورة هذه الأنظمة المتتالية عبر زمن الكتابة منذ الحرف الأول وليومنا هذا . وبعد ذلك يضيف "حفر بالبرق" وهل البرق يحفر مثلاً ؟ نعم . أعطانا سؤالاً متشابكاً وجواباً له أكثر من دلالة . البرق يحفر السماء - يشقّها نصفين - يبعثرها هنا وهناك . ولكن أي سماء.. ؟  إنها السماء المعفّرة بالرماد . وهنا يعطي الشاعر معنى كبيرا لجملة الأول "تخريب أنظمة الكتابة" ما معناه إنّ الكتابة فيما مضى عفى عليها الزمن وتعفّرت سماؤها بالرماد ولكي نبدأ من جديد ما علينا سوى تخريب كلّ ما جاء فيها لكي نخلق عنواناً أكثر حداثة ومشاكسة ونعطي لمفهوم التجديد بعداً أكبر وأعمق .

وبعد ذلك يبدأ البوح عن أشياء محسوسة وملموسة ونعيشها يومياً . ونقراها ونراها ونمسكها . نجلس عندها  ونبوح . انه يعطيك معنى مغايراً لكلّ شيء وكأنّه تعريف يريد أن يؤكد دائماً .
(الحالم أبداً حيال الصلبان
ما اكتفى بقلب المسيح) الغراب ص 20 

هذا إنّه هاش طفولي طبعاً . كما يؤكد الشاعر بعنونته لهذه القصائد – الكتاب الأول - حيث منحها عنواناً آخر هو (الطفل المسحور) مسحور بماذا ؟ بالأشياء التي يراها ويتلمسها ويعيشها ما أن نقرأ الجملة الأولى من كتابه الثاني حتى يصد منا بقوله :

(الشعر هذا المخادع الأبدي . المعتمر طاقية الإخفاء . الآخذ في الخرافة صفات الذئب : إن جاع فتح فكيه للريح .)

وهذا القول تعريف كامل وحداثوي للشعر بصورة كلية كما يريده أيضاً وكما نريده أيضاً نحن بعد انتهائنا من قراءة هذه القصيدة :

(الشرح في الفنّ إفساد الإشارة 
آفة الجمال
فاختصر ؛ اختصر حتى يكتنز النصّ)

القصائد التي تجبرنا على أن نغور في أعماقها بعيداً ونسبر كلّ ما يريده منا وكلّ الذي يريده الاختزال في النصوص – حيث أن الترهّل يقتل المعنى ولا يعطيه مدى أوسع للسيطرة على القارئ . فالجمال هو الاختصار بكلّ شيء .. والشيء الجميل حتما لا يريد شرحاً مسهباً ومملاً . لأنّه يقدم نفسه بأقلّ كلفة وأحرف معدودة :

(الشعر نار الرؤيا) قصيدة اللغة ص 58 

هذه التعريفات المقتضبة لكلّ ما يشيع في كتابتنا أراد أن يؤهلها بكلمات ثلاث (الخفي من الكلام) - بطانة نصوصنا ما يريد قوله أن تكون هكذا ليدخل معك إلى الكتاب الثالث (أغصان الطائر) عبر اختزالاته وتعريفاته لكلّ الفنون الجميلة - وهل هناك شيء أسمى وأفضل من الجمال .

(فاختة النفّري هي : في اتساع الرؤيا عبارتها تضيق . خرجت بإيقاعيها الداخلي والخارجي على إيقاع الجدّة ذي النغم اليتيم فقسّمت الزمان بالأنغام . ذات افق مفتوح على المجاهل والأبعاد) قصيدة النثر ص 61 
هكذا يتحدث عن قصيدة النثر . وهكذا يريد لها أن تكون . إنّه يؤشّر قوله لما يريد عبر كلماته المختزلة والمختصرة كي يقول :

اختصرْ . 

ويؤكّد هذا القول في كلّ قصائده التي ضمّها الكتاب الجامع . كما قي قوله :
(في المجاهل آثاره
للآخر التأويل) الشاعر ص 68 
وكذلك حين نقرأ :
(مقابلة الرؤيا بالرؤيا) النقد ص 96 

وللكتاب الرابع منح عنوانه والذي أراده أن يكون دلالة لكلّ ما سبق من عنوانات رئيسية وفرعية "إشارات" إنّه أكّد تعريفاته بالإشارة لقد أشار لنا بكلمات قليلة ما يريد :
(يرسم بريشة قلبه على الغيم
شمسه الزرقاء) الخلاق ص 91 

ولهذا يؤكد لنا الشاعر عبدالله حسين جلاب على اشتغاله الخاص .  إنّه صوت متفرّد لوحده . يعطيك ما يريد عبر كلماته المختزلة دائماً وبلغتها الجزلة والمحكمة . اشتغاله على الجمال منحنا نسيجاً متكاملاً عبر تعريفات هي ما احتواها كتابه (خلاصات النساج) والخلاصة دائماً هي تعريف الشيء بأقلّ الكلمات . إنّه استخلص هذه التعريفات لعنواناته الجانبية والتي هي دائماً أشياء تدخل في صلب عملنا الجمالي -المعرفة- وما احتوته من فنون وإبداعات أخرى .

عبدالله حسين جلاب شاعر ينحت قصيدته دائماً . ويشتغل خارج السائد والمألوف لكنّه في صلب السائد والمألوف . إنّه يصدمك بعباراته ذات اللغة الجزلة التي ابتعدت عنها القصيدة الحديثة في وقتنا الحاضر .
قرأناه في (فاختة البحر) وكذلك (القوقعة) كما قرأناه أيضاً في (خربشات بمخالب الغراب) . لقد أراد أن يقول لنا إنني أُعطيكم وصفاً كاملاً ودقيقاً لما تريدون وما عليكم سوى البحث والتقصّي فيما أريد .
...
* خلاصات النسّاج/ في الجمال – عبدالله حسين جلاب – 2009 عن دار الينابيع – دمشق

تعليقات