قراءة في مجموعة قصصية


(( الومضة ،، عوالم رؤيا وحكايات ))

قراءة في مجموعة قصص الومضة ( زنزانة )   للقاص عبدالكريم السامر

# عبد السادة البصري

كيف نكتب القصة ؟! ولماذا نكتبها ؟! وهل ثمة أشكال جديدة لها ؟! وأي تجنيس سنطلقه على الشكل الجديد ؟!
تساؤلاتٌ كثيرة تراود خيالات الكتّاب والقصاصين ، ومَنْ يروم السير في عوالم الحكي ، ومنذ بدء الخوض فيها ، كانت هناك القصة الطويلة ، التي تحولت تسميتها الى رواية ، ليتم التمييز بينها وبين القصة ، ويكون تجنيسها مقارباً وملائما لما هي عليه من أزمان وشخوص وأماكن وأحداث ،بل وحتى عدد الصفحات أيضاً، لأن القصة ، والتي أطلق عليها القصيرة لا تتجاوز صفحاتها أصابع اليد ، بعد ذلك جاءت الأقصوصة والتي لا تتجاوز الصفحة أبدا ، ثم القصة القصيرة جداً ، والبالغة القصر، وأخيراً وليس بآخر أبدا ،تجيء الومضة !!
الومضة ، هي البرق الخاطف ، أو لمحة الضوء السريعة ، أو الشعاع الذي يبرق وينطفئ  برمشة عين ، لكن هذا الضوء ، أو هذه الومضة ستكشف المكان بشكل كامل ، وتعطينا صورة واضحة عنه ، رغم الظلام الدامس، وعليه لابد أن تكون قصة الومضة بهذا الشكل حتماً !!
هذا ما اشتغل عليه القاص ( عبد الكريم السامر ) في تجنيسه لقصصه التي نشرها في مجموعته الثانية ( زنزانة ) ، 

مثل هكذا قصص نُشرت هنا وهناك في صحف ومجلات من قبل كتّاب عراقيين وعرب وأجانب ، لكنها لم تجمع في كتاب خاص بها ، لهذا استبق السامر الآخرين وجمع ( 80 ومضة ) أو قصة في ( 98 صفحة من القطع المتوسط ) زينتها رسومات الفنان خالد خضير الصالحي ، ليعلّق على غلافها ثريّا موسومة بــ ( زنزانة )والصادرة عن داري الجنوب وأمل الجديدة .
لأتوقف قليلا عند ومضاته ، التي لم تتعدَّ أطولها ( 6 كلمات ) ، إنها جملتان قصيرتان ربط ما بينهما بفارزة استدراكية ، كانت محطة عبور بين عالمين ، أراد السامر أن يمنحنا فرصة التأمل فيما يريد قوله من أحداث وحكايات ومواقف اختصرها بالفارزة هذه ، ليترك لنا التأويل بعد الغوص في عوالمه !!
لماذا اشتغل بهكذا عمل ؟! ربما يتساءل البعض ، أو يقول :ــ ما فائدة جملة من ست كلمات تفصلها فارزة؟! مالذي سنفهم منها ؟!

الجواب :ــ كيف سيكون الإبداع إذاً ؟! إذا لم يجعلني الكاتب ، أنا المتلقي أعيش مع حروفه ، أغوص فيما بينها ، لأسبر فحواها ، فالجملة هذه عبارة عن عوالم متعددة من الحكي اختصرها الكاتب وترك لخيالاتنا ركوب الأمواج ، مثلاً :ــ
( عندما يصاحبها الليل ، فترتدي عريها ) قصة (عري ) ص 74 
(كلّما اشتقت اليها ، قبّلتُ شاهدتها ) قصة ( شاهدة ) ص28 
(خارج الزنزانة ، العالم محاصر ) قصة ( زنزانة ) ص92 
في تجربته الجديدة هذه يعطينا السامر عبد الكريم وجهة نظر جديدة ، بأن هناك فتوحات جديدة في عوالم القصة والشعر والرواية علينا أن نبحث عنها ، وهناك مَنْ سيخوض في تجاربها ، وحتما سنقرأ أساليب جديدة لم يتطرق اليها الكتّاب والشعراء !!
بعد ( ثلاثية الشجرة ) يجيئنا الآن بـزنزانته التي جعلت العالم فرحاً بها ويرغب في البقاء بداخلها خوفا من ( كورونا ) الذي غيّر مسار الحياة وشلّها بالكامل ، ما جعل الناس جميعا يعيشون في زنزانة لا يريدون الخروج منها كي لا تصيبهم العدوى !!
بين ( رسم ) ومضته الأولى ص13 ، ومروراً بــ 78 ومضة نصل الى ( زنزانة ) ص92 ، نتوقف متأملين عوالم السامر ونذهب بخيالاتنا بعيداً ، وهذا ما أراده منا دون أن يمنحنا وصفا مكانيا ، أو زمنا حتى !!
ومضاته تخلو من الزمان والمكان ، لأنها عوالم خاصة بذاتها وأماكنها وأزمانها التي سنكتشفها بتأملنا قليلا عن فارزة الاستدراك !!!
مبارك للسامر إصداره الجديد هذا ، وبانتظار مبادرة جديدة أخرى في عالم القص المترامي الأطراف والرؤى !!!!

تعليقات